أمام سوريا: الحل العربي أو الحرب المذهبية - سركيس نعوم (النهار)
الرئيس السوري بشار الاسد وعائلته صارا في حكم المنتهين في رأي عدد من المسؤولين الاميركيين استناداً الى متابعين من واشنطن لمواقف ادارة الرئيس باراك اوباما من الأزمة السورية الخطيرة وتداعياتها الاقليمية والدولية. ولا يعني ذلك في رأيهم انهياراً سريعاً، بل يعني فقداناً للقوة والهيبة في الداخل والخارج وانطلاقاً في "قتال تراجعي" سياسي وأمني وعسكري في آن واحد مع الثوار الذين انتقلوا الى المقاومة المسلحة من دون التخلي عن التظاهرات السلمية. ومن أسباب الرأي المذكور اعلاه بدء موجة انشقاق عن الجيش والمؤسسات الامنية من عناصر تنتمي الى المكوّن الشعبي الذي ينتمي اليه الرئيس الاسد وعائلته والذي اتهمه المكوّن "الأكثري" للشعب السوري بحكم البلاد بالقوة وبالسيطرة على مواردها وعلى قرارها. ومن أسبابه ايضاً ان الرئيس الاسد لم يعد يسيطر على عدد من مدن بلاده كما على عدد من ضواحي المدن الكبرى التي تحولت بدورها مدناً.
كيف تنظر الادارة الاميركية الى المبادرة الاخيرة لجامعة الدول العربية التي قدمتها الى الرئيس السوري باعتبارها حلاً لازمته مع شعبه؟ تعتبر الادارة المذكورة، يجيب المتابعون انفسهم، المبادرة العربية الاخيرة حلاً وسطاً، وهي تأمل في ان تلقى قبولاً من روسيا الاتحادية وذلك كي يصبح تطبيقها وتنفيذ مضمونها ممكناً. فهي اطلقت حلاً عربياً، وفتحت له في الوقت نفسه ابواب مجلس الامن الدولي الذي طلبت منه العمل على تنفيذه في حال رفضته القيادة السياسية السورية العليا. وقبول روسيا له يساعد في اقناع الاخيرة به. أما إذا تعذر هذا الاقناع فانه يسهّل توصّل مجلس الامن الى قرار من دون فيتو، اجماعي او اكثري، يتضمن طريقة تنفيذ الحل العربي وادواته. وتعتبر الادارة الاميركية ايضاً ان مبادرة الجامعة العربية يُفترض ان تطمئن "حزب البعث" السوري "القائد" للامة وفقاً للمادة الثامنة من دستور النظام الحاكم منذ عام 1970. وهذا امر مطلوب على رغم اقتناعها وغالبية الشعب السوري وكثيرين من العرب انه ترهّل وصار غير فاعل، وتحوّل غطاء لممارسات فرد وعائلته ولـ"العصبية" الشعبية التي ينتمي اليها. ذلك ان اعضاءه وهم بالملايين يَعتَبر قسم كبير منهم ان النظام لم يعد بعثياً، وان ممارساته لم يكن فيها شيء من البعث، وانه دفعهم غصباً عنهم الى اصطفافات طائفية ومذهبية كانت نامت عندهم، وكان يُفترض في حزبهم ان يلغي "والى الابد" تأثيراتها السلبية. فضلاً عن ان نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، الذي اقترحت المبادرة العربية ان يتولى صلاحيات الرئاسة انتقالياً، ينتمي حزبياً الى البعث، ومذهبياً الى غالبية الثائرين على النظام، ومناطقياً الى مدينة درعا التي شهدت اول قمع دموي بالغ القسوة من قوات الاسد. ومن شأن ذلك ربما دفع الثوار الى قبوله وإن لمرحلة موقتة. طبعاً لا تزال الادارة الاميركية تشعر بالقلق بسبب اخفاق المعارضين للنظام السوري في تحقيق امور عدة ابرزها اثنان. الاول، عجز المعارضة السورية عن التخلص من الانقسامات وعن إقامة وحدة حقيقية بين اطرافها، هي احوج ما تكون اليها في المرحلة الراهنة بالذات. وقد بدأ يسبب ذلك شيئاً من الاحباط في واشنطن. اما الثاني، فهو إما انتفاء رغبة المعارضة كلها، وخصوصاً غالبيتها المعروفة الانتماء السياسي – الديني وتالياً المذهبي، في "الوصول" الى الاقليات السورية، سواء التي منها حاكمة او الاخرى المتحالفة معها او المحمية منها، وتالياً في طمأنتها الى مصيرها ودورها الفاعل ومواطنيتها الكاملة في النظام الجديد بعد انتصار الثورة.
في اختصار، يقول المتابعون الاميركيون انفسهم، ان دماء كثيرة قد سالت. ووقفها الآن يتوقف على تنفيذ المبادرة العربية، في رأي ادارة اوباما وكل حلفائه الاقليميين والدوليين. فاذا استمر الاسد وعائلته وحزبه و"شعبه" في رفض التسوية (Compromise) فان بلاده ستدخل حرباً بين الاديان والمذاهب، وسيشترك فيها مقاتلون متطوعون غير سوريين سيتدفقون على سوريا من كل انحاء المنطقة وسيتوزعون كل على "فريقه". والتدفق هذا للمتطوعين كما للاسلحة قد بدأ يشق طريقه. ويمكن ان تصبح سوريا ساحة قتال مثلما كان لبنان بين 1975 و1990.
هل ينزلق لبنان الى هذا النوع من العنف؟
المتابعون الاميركيون لا يعتبرون ذلك حتمياً على رغم ارادة قلة لبنانية التورط في ما يجري داخل سوريا، إذ ان غالبية "زعمائه" لا تمتلك ارادة كهذه. الا طبعاً اذا "فُرِض" عليها التورط.