حرب لا ربح فيها... ولا رابح! - مازن حايك (النهار)
تُعتبَر الحوادث الدامية التي وقعت في لبنان خلال الأيام الأخيرة، الأكثر خطورة وعنفاً منذ انقلاب "حزب الله" في بيروت، يوم السابع من أيار 2008، وانتهاء الحرب الأهلية العام 1990. نجحت هذه الحوادث في إبراز الوجه الآخر، الأصولي والمذهبي المموَّل والمسلَّح، المواجِه لـ"حزب الله" وامتداداته الإيديولوجية وارتباطاته الإقليمية... لتضع اللبنانيين مجدّداً أمام المعادلة القاتلة عينها للاختيار ما بين الخطِر والأخطَر! إذاً، انفجر الوضع في مناطق عدّة بفعل الاحتقان السياسي والمذهبي، والإنقسام العمودي الحاد، وتداعيات الوضع في سوريا، وتأزُّم العلاقات العربية – الإيرانية، والتمويل والتسليح الخارجييْن... كل ذلك، في ظل تَفكُّك الدولة اللبنانية، وانهيار مؤسساتها وأجهزتها، وفُقدان الجزء الأكبر من هيبتها، وجنوح "رجالاتها" نحو الترقيع والتأجيل والتسويات وركوب الموجة المذهبية على حساب "منطق الدولة"... إضافة إلى ازدهار الدويلات وانتشار السلاح غير الشرعي بكثافة، وفي شكل واضح وفاضح ومخيف!
يبدو أن "مكوّنات الكارثة" متوفّرة، وتُعيدنا سنوات إلى الوراء، وصولاً، ربما، إلى جولة جديدة من الحرب، تحت مسمّيات مختلفة، وإن تشابهت التسميات: وضع إقليمي متأزّم، توتّر داخلي شديد، قطع طرق، حرق إطارات، إطلاق نار على الحواجز، خطف مواطنين وأجانب، اشتباكات متفرّقة، دماء غزيرة، جنازات واعتصامات، مزيد من الحقد والمآسي الإنسانية والخسائر المادية والمعنوية... وأخيراً، إعلام جاهز لنقل الصورة "مباشرة" على الشاشات، التي أُضيفت إليها شبكات التواصُل الاجتماعي، لمزيد من الإثارة والتشويق. لكن الفارق هذه المرّة، أولاً أن لا وسيط أو راع أو شبكة أمان في الأفق، وثانياً أن المُعطى المذهبي، لا الطائفي، هو الطاغي برَواسبه التاريخية، وامتداداته الإيديولوجية، وارتباطاته الإقليمية، وتأثيراته الجغرافية، ما يجعل من امكان حصول حرب جديدة في لبنان، على أرضه وبدماء أبنائه، احتمالاً قوياً، يؤدّي بنا مجدداً إلى دفع الأثمان لتَبادُل الرسائل وتصفية الحسابات الاقليمية والدولية، ويُدخلنا في حرب قد تمتد لأجيال متعاقبة.
هل من أحد في لبنان يعتبر فعلاً أن فرض أمر واقع بقوّة السلاح والافادة من الهزّات الاقليمية، أمر مُربِح؟ وهل من سياسي عاقل ومعتدل يعتقد حقاً أن ثمة دورا له في ظل تنامي التطرّف، وصعود الأصوليات والارتباك أمامها واستسهال مسايرتها، والمزايدة في التطييف والتمذهب، والخضوع لإغراء وعدوى غَلَبَة السلاح، والاستخفاف بفكرة انهيار الدولة؟ أفليس التلاقي والحوار والتنازل المتبادَل للوصول إلى تفاهمات لا تحقّق بالضرورة كل الطموحات، أفضل وأقل كلفة من حربٍ سرعان ما نكتشف معها، أن لا ربح فيها... ولا رابح؟!