ملاقاة الأخطار الخارجية بالداخلية لتعطيل الجيش - رفيق خوري (الانوار)
ليس في لبنان داخل مفصول عن الخارج. فلا نحن في معزل عن الحراك الدائر في بلدان الربيع العربي وصعود التيارات الدينية على سطحه، وان أوهمنا أنفسنا بأن لبنان محصّن أو بأن نموذجه هو الهدف الذي ستصل اليه شعوب المنطقة. ولا نحن في منأى عن الأحداث الدامية في سوريا، وان رفعت الحكومة شعار النأي بالنفس، وتلقت الدعم من هيئة الحوار الوطني وعواصم العالم. وأخطر ما في الوضع ان الكل في الداخل والخارج يعرف ما ينتظرنا ويحذّر من تنامي مخاطره ويدعو الى تحصين البلد، في حين ان المسؤولين وغير المسؤولين حائرون وعاجزون حتى عن مواجهة مقدمات المخاطر.
وليس في المخيمات سوى ما في لبنان وفلسطين ودول المنطقة، خليط قوى وخلايا وتيارات متنوعة يجمعها عنوان كبير هو قضية فلسطين، ويفرّقها الارتباط بصراعات وأجندات فرعية، بعضها صار أساسياً في نظر أصحابه ضمن التحولات في المنطقة الممتدة من البحر المتوسط الى افغانستان. وباستثناء القوى المتمسّكة بالقضية الكبرى في فلسطين، فان كل طرف آخر يستطيع أن يبدأ اشتباكا حين يأتيه القرار، وهو يعرف ان له من يدعمه في لبنان والمنطقة، ويتصرّف على أساس انه يخدم هدفاً يتجاوز الاشتباك المحلّي الى اللعبة الخارجية.
وكما في أحداث طرابلس، كذلك في أحداث المخيمات: تسليط الضوء على أوضاع انسانية صعبة، وتغطية الأهداف السياسية غير البريئة. لكن اللعبة مكشوفة. فلا الحرمان في طرابلس والشمال، وهو حقيقي وخطير ويحتاج الى معالجة، يحجب الأسباب المحلية والاقليمية للاشتباكات الدورية بين باب التبانة وبعل محسن. ولا التضييق على المخيمات، وهو أمر له علاج ضروري ويصعب تجاهل أسبابه، يغطي أهداف التجرّؤ على الجيش. لا ما حدث هو، كما يصوّره البعض، نوع من الربيع الفلسطيني للتخلص من القيود. ولا الربيع الفلسطيني يبدأ في لبنان بل في فلسطين التي تعاني، خوف الاحتلال الاسرائيلي، تملّص العرب من قضيتها، وصعوبة الخروج من الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة على الرغم من المصالحة والاتفاقات.
ذلك أن اللعبة واضحة ومتكررة. فالهدف المباشر من التجرّؤ على الجيش هو توريطه في صدامات لا يريدها، وبالتالي تعطيله ومنعه من القيام بالمهمة المنوطة به: حماية الأمن الوطني اللبناني وأمن اللبنانيين. وليس ذلك سوى مقدمة لملاقاة الأخطار الخارجية بأخطار داخلية تضرب العمود الفقري للبلد وتفتح الساحة على المسرح الاقليمي الواسع بكل ما فيه من صراعات وأجندات لتغيير صورة المنطقة الى الأسوأ، لا الى الأفضل.
والجيش واعٍ وصامد. لكن القرار السياسي مرتبك. ومجلس الوزراء في اجازة لأن رئيسه اختار النأي الى البرازيل.