مصر: الديموقراطية هي إحترام إرادة الشعب أياً تكن - السيد يسين (النهار)
مع كل التحفظات التي سبق لي ولغيري من الباحثين اصحاب التوجه الليبرالي واليساري ان أبدوها بشأن المشروع الاخواني لتأسيس الدولة الدينية نرحب بنتيجة انتخابات الرئاسة كما رحبنا بنتيجة انتخابات مجلسي الشعب والشورى.
أكتب هذا المقال يوم الاثنين 18 حزيران بعد أن أعلنت المؤشرات الأولية لانتخابات رئاسة الجمهورية، والتي تشير إلى حصول الدكتور محمد مرسي مرشح حزب "الحرية والعدالة" على حوالى 52% من الأصوات في الوقت الذي حصل فيه الفريق أحمد شفيق على حوالى 49% من الأصوات.
لذلك- وقبل الإعلان الرسمي للنتائج النهائية – عقد الدكتور محمد مرسي مؤتمراً صحافياً أعلن فيه فوزه برئاسة الجمهورية، ووعد بأن يكون رئيساً لكل المصريين من أعطوه أصواتهم ومن صوتوا لمنافسه. وفى الوقت نفسه انطلق عشرات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين إلى ميدان التحرير في تظاهرات احتفالية بهذا الفوز المبين لمرشح الجماعة والحزب.
وإذا تأكدت هذه النتيجة رسمياً من طريق بيان اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة، فعلينا جميعاً مهما كانت توجهاتنا الإيديولوجية، وسواء كنا معارضين لجماعة الإخوان المسلمين أو متحفظين عن الأداء السلبي لمجلس الشعب الإخواني السلفي، والذي قام بممارسات سياسية محبطة تكشف عن الرغبة في الاستحواذ على كل شيء، أن نعلن احترامنا للإرادة الشعبية التي عبرت عنها صناديق الانتخابات، والتي كانت نزيهة وشفافة بالرغم من بعض التجاوزات الطفيفة هنا أو هناك، وهي تجاوزات تحدث في أي انتخابات حتى في أعرق الدول الديموقراطية.
ما هي أهمية الانصياع لكلمة الصندوق والتي هي أشبه بالحكم الذي هو عنوان الحقيقة؟
تكمن هذه الأهمية في أنها تشير إلى احترامنا ليس فقط لآليات الديموقراطية والتي أبرزها الانتخابات النزيهة، ولكن أيضاً لقيم الديموقراطية. وأبرز هذه القيم على الإطلاق الإيمان بمبدأ تداول السلطة، والحوار مع كل الأطراف السياسية، والحرص على التوافق وعدم الاستئثار بصنع القرار، استناداً إلى الأكثرية أو الغالبية.
والواقع أنه – وفق مؤشرات متعددة كمية وكيفية- فقدت جماعة الإخوان المسلمين وحزبها "الحرية والعدالة" كثيراً من صدقيتها لدى عديد من الجماهير الشعبية، وقبل ذلك لدى النخب السياسية الليبرالية واليسارية.
ولم يأتِ فقدان هذه الصدقية من فراغ، بل إنه كان صدى لنزوع جماعة الإخوان المسلمين وحزبها إلى الاستئثار بكل المؤسسات السياسية. بدأت بالهيمنة على غالبية لجان مجلسي الشعب والشورى، وانتقلت الى احتكار غالبية مقاعد اللجنة التأسيسية، مما أدى بمحكمة القضاء الإداري إلى إلغاء هذه اللجنة المعيبة.
وبعد مشاورات وحوارات مجهدة مع كل الأحزاب السياسية والتيارات المدنية، أصرت الجماعة على إصدار قانون من مجلس الشعب يتضمن معايير تشكيل اللجنة، وشكلت للمرة الثانية تشكيلاً معيباً إذ قسمت إلى تيارات مدنية وتيارات دينية، مما جعل المفكر الإسلامي المعروف سليم العوا يصف هذه القسمة بأنها طائفية وهذا لا يجوز.
وأخطر من كل ذلك اتجاه حزب "الحرية والعدالة" لإعادة تشكيل المحكمة الدستورية العليا، ومعنى ذلك أنه يريد السيطرة على المؤسسة القضائية وهذه هي أولى الخطوات، قبل أن يحاول تنفيذ مشروعه لتوحيد القضاء والغرض منه الهيمنة الكاملة على السلطة القضائية.
وقد أوقف حكم المحكمة الدستورية العليا الخاص ببطلان مجلس الشعب هذا الزحف الإخواني المنظم للنفاذ إلى كل مؤسسات الدولة، وإعادة صوغها وفق منظور الجماعة وتوجهاتها الدينية، وخصوصاً المؤسسات الاقتصادية.
ويكفى أن نشير بهذا الصدد إلى أن مجلس الشعب الإخواني السلفي اعترض على اقتراح حكومة الجنزوري بالحصول على قرض ضخم من البنك الدولي، على أساس أن الفوائد التي سيحصل عليها البنك فيها شبهة ربا! وهكذا أوقف مجلس الشعب إجراءات الحصول على هذا القرض البالغ الأهمية بناء على تأويلات منحرفة للنصوص الدينية الخاصة بالربا، والتي تم تفنيدها منذ عشرات السنين، بناء على فتاوى أصدرها عدد من كبار الفقهاء.
غير أن حكاية القرض المحرم لم تكن سوى هامش بسيط إذا ما قورنت بالمتن الأصلي المتعلق بمحاولة المجلس الإخواني السلفي السيطرة الكاملة على البنك المركزي بتعديل اختصاصاته، وإقحام مشاريع المصارف الإسلامية بما فيها من مشايخ يفتون في الحلال والحرام الذي يتعلق بالمعاملات المالية، على أساس أن فتاواهم ملزمة.
وهذا الاتجاه من شأنه أن يرجعنا إلى الوراء عشرات السنين. فقد ثبت من تجربة المصارف الإسلامية في مصر وغيرها من الدول العربية أن تشكيل ما يسمى "غرفة الرقابة الشرعية" المشكلة من عدد من المشايخ الذين تعرض عليهم معاملات المصارف المالية كانت تجربة عقيمة حقاً!
ولكن الغرض مرض كما يقولون، لأن التوجهات الدينية التي يراد فرضها على كل مجالات الحياة لنظرية الدولة الدينية التي تتدخل في السياسة والاقتصاد والتعليم والفكر والأدب والفن وفى كل شيء، وفقاً للقياس الخاطئ والتأويلات المنحرفة للنصوص الدينية، ليس من شأنها سوى أن تفرض التخلف فرضاً على جنبات المجتمع. وهذا مضاد في الواقع لشعار النهضة التي ترفعه جماعة "الإخوان المسلمين" والذي يقوم في الواقع على تزييف فكر النهضة الحقيقي الذي صاغه رواد النهضة العرب في بداية القرن العشرين.
وهذا الفكر النهضوي الأصيل تأمل رواده وتدبروا أسس ومنطلقات الحداثة الغربية، ووقفوا طويلاً أمام المبدأ الحاكم لهذه الحداثة والتي مبناها أن "العقل هو اساس الحكم على الأشياء" وليس النصوص الدينية التي عادة ما تؤول تأويلات مختلفة ومتعارضة، تجعلها لا تصلح لتوجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العصرية.
وهكذا في ضوء التجربة القصيرة لمجلس الشعب الإخواني السلفي يمكن القول بغير مبالغة أنه لم يكن يسير في طريق التقدم ولكنه خضع خضوعاً أعمى لتوجهات دينية مفارقة لروح العصر، كان بصدد جر المجتمع إلى الوراء.
ومع كل هذه التحفظات التي سبق لي وغيري من الباحثين أصحاب التوجه الليبرالي واليساري أن أبدوها بشأن المشروع الإخواني في تأسيس الدولة الدينية، فقد رحبنا بنتيجة انتخابات مجلسي الشعب والشورى احتراماً لقيم الديموقراطية، وانتظرنا تحقيق الجماعة شعارها "مشاركة لا مغالبة". غير أن المجتمع المصري بكل طوائفه فوجئ بأن الشعار انقلب ليصبح "مغالبة لا مشاركة"! وترتب على ذلك محاولة إقصاء كل التيارات السياسية، والهيمنة الكاملة على مجمل الفضاء السياسي المصري تماماً كما كان يفعل الحزب الوطني الديموقراطي المنحل!
ومع كل ذلك ينبغي علينا – وهذا الخطاب موجه إلى كل التيارات السياسية الفاعلة وإلى كل الجماهير- أن نحترم نتيجة الصندوق، وإذا أصبح الدكتور محمد مرسي رئيساً للجمهورية فعلينا أن ندعم جهوده في مجال النهضة، لو آمن فعلاً بأنه لا يمكن هذا المشروع أن يتحقق إلا بتكاتف جهود كل النخب السياسية والفكرية والعلمية، لأن الهدف ينبغي أن يكون تقدم المجتمع ورقي الشعب الذي ثار في 25 يناير، بحثاً عن الحرية والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية.