إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

السلاح الفلسطيني: المفاهيم المعطوبة - زياد الصائغ (النهار)

تبدّت ديباجة دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى انعقاد طاولة الحوار الوطني، عن كثير من الحنكة والحكمة والجرأة. لكن لا مناصّ من تحديد رؤية في الفاعلية والمرجعية، وإلا يُمسي بعض الحوار استتباباً في التأكيد على المؤكد بشكل منهجي، يضرب صدقية المتحاورين أنفسهم قبل أي اعتبارات أخرى.
في أي حال، وبمعزلٍ عن أي استرسالٍ تحليليّ في توقيت إعادة طرح مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات وداخلها، متزامناً مع توتُّرات فيها ومن حولها كثيرة الالتباسات، وفاتحة الشهية على كثافةٍ من التأويلات، ثمة حاجة الى تدعيم أجندة المتحاورين حول هذا السلاح تحديداً، والذي سقطت مشروعيّته منذ إلغاء البرلمان اللبناني عام 1987 مفاعيل اتفاقية القاهرة. ثمة حاجة الى تدعيم هذه الاجندة بمحاولة تفكيك البنية الايديولوجية التي تشرعن هذا السلاح من ناحية، ووضع تصور عملاني بالخطوات لبدء إنهاء حالته من ناحية اخرى، مع التذكير بأن الاخوة الفلسطينيين أنفسهم، ومنذ العام 2005، أعلنوا عن رفضهم لبقاء هذا السلاح، وقدموا اعتذاراً عن استباحتهم السيادة اللبنانية منذ اتفاقية القاهرة، وذلك من خلال إعلان فلسطين في لبنان (2008)، وما فتئوا يشددون على أنهم ضيوف في لبنان حتى عودتهم.
ومن هذا المنطلق السليم لا بدَّ من الوعي أن معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين، يجب أن تأتي في سياقٍ تكاملي بين السياسي والانساني والسيادي والديبلوماسي، على أن ينتج عن هذا السياق أمان بالقانون أكثر منه تدخلات أمنية موضعية، إذ إن الرُكون الى التدخلات الامنية الموضعية وحدها، والتي قد نحتاجها احياناً، والانزلاق في تكريس المقاربة الأمنية كعنصر ضامن للاستقرار وحده، يعنيان استنقاعاً في ردود الفعل الموجعة من كلا الطرفين اللبناني والفلسطيني، فيما المطلوب بناء على فلسفة الكرامة للاجئين الفلسطينيين تحت سيادة الدولة حتى العودة، وبالتالي إعادة الاعتبار لمرجعية لبنانية رسمية جدية تتعاطى بمنطق تكريس واقعٍ دولتيّ (من دولة) أكثر منه تشتيتاً للمرجعية، وتصفية للحسابات واستقطاباً لروحية الساحة والورقة.
وبناءً على ذلك، ومع التوترات، المطلوبة ربما، أو المصدّرة، أو المفبركة، والتي عايشناها في الايام الاخيرة في مخيمي نهر البارد وعين الحلوة، والتي استثمر فيها من يريدون حتماً صداماً لبنانياً – فلسطينياً دموياً يُزيح عن كاهلهم أرق انهياراتهم الآتية، فإن ما بات ملحاً يتلخص بداية باستنتاجٍ حاسم بأنه آن أوان إزالة حالة العسكرة الفلسطينية خارج المخيمات وداخلها من ناحية، كما إزالة مفهوم القبضة الامنية في مقاربة قضية اللاجئين الفلسطينيين، إذ في هذه القبضة تنفيرٌ أكثر منه قدرة على مد جسور التواصل. وبين إزالة حالة العسكرة ومفهوم القبضة الأمنية يُقتضى البحث عمّن يعيد للحوار اللبناني - الفلسطيني دينامية جديّة، بعيداً عن الزواريب السياسية أو أجندات مشبوهة لا تمت لا الى مصالح لبنان العليا، ولا الى القضية الفلسطينية بصلة.
من هنا، يجب التلفّت الى أن البعد السيادي لملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات يفترض تفكيكاً للبنية الفكرية التي تحاول شرعنة هذا السلاح بمعنى أن لا علاقة لهذا السلاح:
1 - برفض التوطين، بل يجب وضع استراتيجية ديبلوماسية شاملة، والمُراكمة على المواقف العربية والدولية الرافضة للتوطين في لبنان.
2 - بمنطق المقايضة مع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للاّجئين الفلسطينيين، بل لبنان يجب أن يعمل على زيادة تمويل "الأونروا" لتفعيل خدماتها من ناحية، وقد بدأ ذلك في مشروع تحسين أوضاع المخيمات (1) و(2) الذي دعمت فيه الحكومة اللبنانية "الأونروا" منذ العام 2006، أما بالنسبة لأي تطوير تشريعي فيجب أن يكون مبنياً على قواعد علمية ويراعي ضوابط الدستور اللبناني من ناحية أخرى، وهنا لا مقايضة بين الحقوق والسيادة.
3 - لا علاقة لهذا السلاح بمقاومة العدو الاسرائيلي، فهذه مسؤولية لبنانية بإمتياز. ولا علاقة لهذا السلاح حتماً لا بالإستراتيجية الدفاعية، ولا بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، والموضعة الجغرافية لهذا السلاح تؤكد الى لامشروعيته لافاعليته.
4 - بأي طرح حماية للاّجئين الفلسطينيين أو قضاياهم، خصوصاً أن الشرعية الفلسطينية نزعت الغطاء عن هذا السلاح، والدولة اللبنانية مسؤولة عن أمان اللاّجئين.
أضف الى هذه اللاّعلائق الاربعة، أنه لا علاقة حتماً أيضاً للسلاح الفلسطيني داخل المخيمات مع أيٍ من:
1 - منطق للتوازن مع سلاح آخر.
2 - منطق للاحتياط في مواجهة سلاح آخر.
وبالاستناد الى تفكيك هذه البنية الفكرية ذات المفاهيم المعطوبة، يجب البحث في آلية إنهاء هذا السلاح، مع ضبط هذه الآلية بجدول زمنيّ، على أن يواكب ذلك بداية انتشار لقوى الأمن الداخلي بمخافر نموذجية داخل المخيمات، وبالتنسيق مع الجيش اللبناني، ورفض أي تحويل لذاك السلاح خارج المخيمات الى داخلها لا عديداً ولا عتاداً، والا نكون بإزاء غايات في نفسِ أكثر من يعقوب. كل ذلك يجب أن تظلّله مقاربة "الامان الانساني"، والتي بدأت في مخيم نهر البارد منذ العام 2008، وسامح لبنان من صمّم على إجهاضها إما جهلاً، أو تواطؤاً، أو رعونةً بل هو عناد أعمى؟
 

← العودة إلى مختارات