كمْ كان سايكس وبيكو كريمين مع العرب! - جهاد الزين (النهار)
هل يؤدي "الربيع العربي" إلى توسيع رقعة "الجحيم الكردي" بالنسبة لتركيا أياً تكن نتائج الصراع على السلطة في دمشق، وحتى لو جاءت سلطةٌ "دمشقية" قريبة لتركيا أو للسعودية فمن يوقف بعد الآن هذه الديناميكية غير المسبوقة للقومية الكردية في "الليفانت" السوري العراقي التركي؟
النخبة الحكومية التركية سعيدة هذه الأيام بنتائج استطلاع رأي جديد قامت به المؤسسة البحثية التركية المحترمة (مؤسسة الدراسات الإقتصادية والإجتماعية التركية – TESEV) حول صورة تركيا في العالم العربي مقارنةً بدولٍ أخرى. جاءت نتائج الإستطلاع لتضع تركيا في الموقع الافضل من ناحية الإنطباع الإيجابي عنها بعد "الربيع العربي" في عدد مهم من دول المنطقة. وبين النتائج التي "ترضي غرور" رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان و "صقور" حزب العدالة والتنمية ان المستطلَعين اعتبروا أن الذي يجعل تركيا "نموذجا" هو الديموقراطية يليها الإقتصاد وليس العكس (شمل الإستطلاع إيران).
يمكن لنتائج هذا الاستطلاع أن تكون موضع تساؤل من حيث آلية إجرائه لكن الأمر الأكيد أنه يعكس قدرا فعلياً من تأثير "القوة الناعمة" التركية الحالية في العالم العربي الأبعد، أي من فلسطين إلى مصر إلى شمال إفريقيا. لكن لا شك أنه في العالم العربي الأقرب إلى تركيا أي مصر والعراق فإنها مختلفة بسبب عدم الإجماع الخطِر على الدور التركي في مساحة مجموعات مذهبية ودينية وقومية متعددة بعضها أقلاوية وبعضها أكثروية.
سوريا والعراق هما إذن منطقة المجازفة الفعلية للسياسة التركية بعد "الربيع العربي" على أكثر من صعيد دولي وإقليمي وحتى داخلي. "الحياة كلها مجازفات" قال رجب طيب أردوغان وهو يرد على منتقديه بإدخال تركيا في مجازفة كبيرة بعد إسقاط سوريا، أو روسيا وسوريا، طائرة "الإف 4" التركية. وفي مقدمة الملفات التي أظهرت الوقائع السورية خطورتها، بل فتحت مدىً جديدا بالغ التعقيد بين ما هو داخليٌّ تركيٌّ وما هو إقليميٌّ، ملفُ الأكراد السوريين. فلقد "تَنبّه" الأتراك الى أن أفق التغيير السوري الذي يراهن قادةُ "حزب العدالة والتنمية" على انه سيكون لصالحهم استراتيجياً، قد يحمل معه تفاقماً للمشكلة الكردية يخلط الأوراق بصورة لا سابق لها منذ تأسيس دُولِ ما بعد الحرب العالمية الأولى في المشرق. وقد أظهرت الثورةُ السوريةُ التي أصبحت حرباً أهليةً ومعها انقسمت أجزاءٌ عديدةٌ من الخارطة السورية الى مناطق إتنيات - مذاهب مختلفة أن الديموغرافيا الكردية في معظم الشمال السوري وتحديدا من شرق حلب إلى القامشلي (بين خمسماية الى ستماية كيلومتر) باستثناء الحدود في منطقتي اللاذقية و إدلب وحدودِ محافظة حلب الغربية مع لواء اسكندرون (هاتاي) التركي... هذه الديموغرافيا الكردية السورية تسيطر سكانياً. و"اكتشفنا"مع الأتراك أن هذا الخط الطويل جدا هو خط "كردي" يجاور على الجهة الأخرى الحدودَ التركية.
المسألة الكردية المتفجِّرة أصلاً في تركيا قد تأخذ في المستقبل بعداً أكثر خطورة مع "اندماج" واقعي متزايد بين حركات التمرد الكردية في سوريا وتركيا بدأت مظاهرها من الأشهر الأولى للأحداث السورية.
فمن المسلّم به حسب كل التقارير الجادة الآتية عبر أتراك أو خبراء غربيين أن "الحكم الذاتي" كحالة أمرٍ واقع أمني وسياسي بات هو السائد في المناطق الكردية السورية. صحيح أن التنوّعَ الكرديَّ الحزبيَّ كبيرٌ، غير أن الظاهرة التي فرضت نفسها هي صعودُ نفوذِ حزب "الإتحاد الديموقراطي الكردي (PYD)" القريب من "حزب العمال الكردي" الإنفصالي في تركيا (PKK) بل الذي يعتبر "الجناح السوري" لِـ PKK.
فهل يأتي "الربيع العربي" بتوسيع رقعة "الجحيم الكردي" بالنسبة لتركيا أياً تكن نتائج الصراع على السلطة في دمشق، وحتى لو جاءت سلطةٌ "دمشقية" قريبة لتركيا أو للسعودية فمن يوقف بعد الآن هذه الديناميكية غير المسبوقة للقومية الكردية في كل "الهلال الخصيب" السوري العراقي التركي؟ بل بما يتجاوز الوضع العراقي... لأن كردستان العراق بفعل السياق التاريخي الخاص للصراع في العراق ممسوكةٌ من قوّتين أساسيتين لهما ذاتيّتُهما بل هما بحكم التكوين القبلي الطبقي ضد
الـPKK ولا سيما منطقة بادينان التي يسيطر عليها مسعود البارازاني وحزبه الديموقراطي الكردستاني. هذا مع أن الضغط التعبوي لحزب العمال الكردي فرض وجوده العسكري في الجبال الوعرة المحاذية للحدود العراقية - التركية بينما في سوريا يبدو حلفاء هذا الحزب الأكراد شديدي النفوذ الشعبي ناهيك عن عودة علاقتهم مع النظام في دمشق.
ضعف الدولتين "البسماركيّتين" البعثيّتين بعد سقوط نظام صدام حسين واندلاع الثورة السورية يفتحان المجال على الأرجح لإمكان "انتقام" كردي من خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى ومن تطرف المركزية القومية العربية. وهكذا نكتشف نحن العرب بعد الذي حصل من انفصال في السودان`32; ثم شبه انفصالٍ في العراق والآن التفتّتُ في سوريا كمْ كان اتفاقُ "سايكس بيكو" البريطاني الفرنسي حول منطقة "الليفانت" كريماً معنا!