خطورة الـ «سوشي» - ساطع نور الدين (السفير)
من حظ بيروت وميزتها التي لا تنافس ولا تعوض، أن تنضم الى عدد من العواصم المختارة بدقة متناهية لاستضافة ما يعرف بـ«المسار الثاني»، الذي يتمثل بالحوار المباشر الذي لم ينقطع يوما بين الأميركيين والإيرانيين، على المستوى الفكري والأكاديمي الذي يزود مراكز صنع القرار في البلدين بالآراء والخيارات البديلة للصراع الاميركي إلايراني المتذبذب بشكل حاد بين حافة الحرب وفرصة المصالحة التاريخية.
لبيروت معنى خاص في ذلك «المسار الثاني»: اختار الباحثون الأميركيون وشركاؤهم الاوروبيون الغربيون العاصمة اللبنانية لكي يبدوا حسن النية والرغبة في المجيء الى منطقة نفوذ ايرانية، واستفاد نظراؤهم الايرانيون من المكان للتشدد في لغتهم الحوارية التي يبدو انها كانت متأثرة بالاجواء المحيطة بالفندق البيروتي الشهير بقدر ما كانت محكومة بالموقف الحاد المعتمد حاليا في طهران.
لم تكن بيروت مجرد محطة مثلها مثل اسطنبول أو جنيف أو أبو ظبي أو هلسنكي أو نيويورك. كانت حاضرة بوضوح عندما احتدم الحوار الفكري والاكاديمي، ووصل الى حد تبادل الاتهام بالتهديد بالحرب، فاطلق احد الباحثين ـ المسؤولين الايرانيين عبارة يحفظها اللبنانيون عن ظهر قلب: لا تستخدموا معنا هذه اللغة، تعرفون أنه اذا تعرضت ايران لهجوم اميركي أو اسرائيلي فإن نصف مليون اسرائيلي سيصبحون خلال ساعات فقط، بلا مأوى...
لم يكن الحوار معنيا بالبحث في ما يمكن ان يحصل بعد تلك الساعات الاولى لملايين اللبنانيين مثلا. ومضى المتحاورون في عملية استكشاف ما ليس خافيا على أحد: الجانب الاميركي الذي يعترف بأن العقوبات الحالية على ايران هي الاقصى على الاطلاق ولم يسبق لأي بلد في العالم أن تعرض لمثلها، يود أن يحصد الثمار ويختبر استعداد ايران للتسوية او بتعبير أدق الاستسلام. الجانب الايراني يرد بأن العقوبات هي بركة أو على الأقل فرصة لإطلاق الحيوية (العصبية) الوطنية الايرانية التي تحفز البرنامج النووي والاقتصادي والسياسي وتضع ايران في مصاف الدول الكبرى، لا بالمقارنة مع جيرانها العرب الذين تسخر منهم وتستخف بقدراتهم، بل بالمقارنة مع بلدان القارة الاوروبية نفسها.
كان من المنطقي أن يفشل الحوار الأكاديمي، لانه ليس من مصلحة طرفيه الاميركي والايراني ان يتصاعد الدخان الابيض من بيروت بالذات. لكنه لم يكن من الطبيعي أبدا ان تنتهي الجلسات الثلاث المغلقة التي استغرقت يوما كاملا من دون اي فكرة جديدة يمكن أن يحملها المتحاورون الى طهران او واشنطن... وأن يقتصر الامر على عبارة مبتكرة اطلقها احد الباحثين الأميركيين هي معضلة الـ«سوشي» التي قصد بها المعضلة السنية الشيعية، المرشحة للتفاعل في الحقبة المقبلة، من دون ان يقر بانها خيار اميركا ومسارها الاول.