إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

القطاع العام اللبناني: النهاية الخبيثة جداً؟ - جهاد الزين (النهار)

يسد القطاع العام اللبناني رمق فئاتٍ دنيا واسعة وتزداد اتساعاً، كما يوفِّر لشرائح غير قليلة من الطبقة الوسطى اللبنانية مستوىً مرتفعاً من الحياة يعادل بعضُه مستوى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى في بعض البلدان الآسيوية والأوروبية الشرقية ذات الاقتصادات القادرة.
… لكن المشكلة المتفاقمة أن سياسات التوظيف التي أصبحت في يد طبقة سياسية شعبوية شرهة على التوظيف كحلٍ سهلٍ لتأمين توسيع وتمتين قاعدة الموالين لها في كل الطوائف ولاسيما عند الطائفيات السنية والشيعية والدرزية، أوصلت الوضع في هذا المجال الى نتيجتين كبيرتين:
الأولى هي جعل القطاع العام عبئاً حقيقياً على مداخيل الفئات الأخرى من اللبنانيين. وهذا ليس كلاماً نظرياً لاسيما في السنوات الأخيرة. لا بسبب الزيادة المضطردة في أعداد الموظفين فقط، بل أيضا بسبب الامتيازات النوعية وغير المنتجة على مستويات مهمة من الهيكلية الإدارية. أقول ذلك وأمتنع عن أية تسمية لقطاعاتٍ باتت عبئا استراتيجيا وأرْضَت الطبقة السياسية مصالحَها أكثر وأكثر. لهذا يبدو اعتراض "التيار الوطني الحر"، وهو الحزب الأساسي للطبقة الوسطى المسيحية، في موضوع مياومي شركة الكهرباء موقفاً "مياوماً" سياسياً، أعني أنه قاصرٌ لأنه اختار الإعتراض متأخراً جداً على سياسة التوظيف حيال شريحة هي في أدنى الهيكلية الإدارية بينما سَكَتَ على، بل شارك في تكريسِ، فئاتٍ أكثرَ كلفةً وعبئاً على المالية العامة بأشواط وكان مثل غيره في الطبقة السياسية "شعبوياً".
النتيجة الثانية التي تطال مخاطرُها المستفيدين أنفسَهم، هي أن القطاع العام يعيش في العمق خطرا مصيرياً قد يطيح بمداخيل موظّفيه عبر العجز الهائل لمالية الدولة من جهة، وعبر الخطر الذي يهدد الإقتصاد اللبناني من جهةٍ أخرى، في حال حصول تَغيُّرٍ جدّيٍ في "الإستاتيكو" الإقليمي والدولي الذي يحمي استقرار لبنان الإقتصادي وهو البلد الذي يعيش داخل فوهة بركان لا سابق له مع الإنفجار في سوريا.
أخشى ما نخشاه في هذا السياق هو أن تجد البورجوازية اللبنانية العليا، ومن ضمنها الطبقة السياسية، نفسها في وضع خبيث جداً: تلبّي جميع مطالب فئات القطاع العام حتى النهاية بحيث لايبقى حلٌ ضمنيٌ إلا انتظار اللحظة البشعة المناسِبة التي تطيح دولياً بسعر اللبنانية فتنتهي دفعةً واحدة من كل "رواية" عجز المالية العامة... كما حصل في النصف الثاني من الثمانينات المنصرمة والتي ثبُت أنها بدل أن تدفع المتضرّرين للثورة على الميليشيات جعلَتهم "شحّادين" عندها.
الإعتراض الإصلاحي الإستراتيجي يتطلّب إعادة النظر الشاملة بكل وضع القطاع العام وعلاقته الإنتاجية بالمجتمع.
 

← العودة إلى مختارات