إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

"يدمرون سوريا".... صمت وبكيت!. زياد الصائغ (الجمهورية)

في الثَّمانين من عُمره يبكي من دون هوادة. شعرتُ طفولة المحبّة وبراءَتها في عباراته وسخونة الحرقة ولوعتها في عبراته. ترك دير الزور قسراً ولم يحمل معه سوى حبّه لوطنه سوريا. ترك يائساً من العودة ولو أنه يتطلّع إليها آملاً أيّاً تكُن إمكانيّتها ضئيلة.

أخبرني بحزنه العميق عن دمار يعمّ شعب سوريا الطيّب، وسألني: "أهذه هي ضريبة السّلطة؟ أم هي تداعيات فوضى؟ أهي الثورة أم المؤامرة تفتك بنا؟ أيُعقل أن يقتلنا بعض أبنائنا؟". لم أشأ الإجابة. نظرت إليه، فتابع بشهقات: "لم نرد يوماً سوى العيش بسلام وكرامة. ظُلِمنا كثيراً لكنّنا تغافلنا عمّا ظُلمنا به كثيراً.

كان همّنا أن لا تأكلنا السلطوية أكثر، وأن نرى وطننا عزيزاً مُعافى وأبناءَه بعيدين عن أيّ شكل من أشكال التناحر، أبهذه القمعيّة نُقابَل؟". تلفّت إلي طالباً تعليقاً. لم أشأ التعليق. سألته: "لِمَ غادرت ولم تصمد؟" أجابني: "هل يُمكن أن تصمد حين تُدكُّ أحياؤنا من كل حدب وصوب ونحاصَر من دون طعام وماء ودواء، عن أيّ صمود تتحدّث؟". لم أشأ الاستطراد.

وقف بعنفوانٍ على الرّغم من خريف السّنين التي أنهكته، ووابل العدوان الذي شعرت بأنه مزّق كيانه، واستطرد: "السّلطة تُغري لكن يجب أن لا تُحمى على أشلاء الأبرياء. والثورة حقّ لكن يجب أن تتنبّه إلى أخطار استغلالها. وبين بين، ثمّة الصوت العقلانيّ نفتقده في ساحة المعركة من السلطة والثورة على حدّ سواء فما رأيك؟" لم أشأ أيّ كلام. نهرني وصمَت.

مشى بتؤدة، وبكى بصوت عال، ثمَّ عاد إلى مقعده بجانبي، وصرَخ بوجهي: "كيف يمكنك أن تبقى صامتاً إزاء ما يحدث؟ هل هو عدل أن يتفرّج علينا العالم نُذبح ونتذابح؟"، وتابع: "ما هي جامعة الدول العربية هذه تكتفي بالتصريحات المشلولة؟ وعلى أيّ أمم متّحدة نُراهن فيما هي ترسل إلينا الموفدين والمراقبين يقبضون رواتبهم ويُقامرون بأرواحنا؟ أجبني؟". لم أشأ أن أنبس ببنت شفة.

وقف من جديد، ومدّ إصبعه بعصبيّة نحوي، وتابع: "روسيا والولايات المتحدة الأميركية يتواطآن علينا. كلّكم تريدون لنا الموت. لم أشهد في حياتي قُدرةً على الإجرام بالتواطؤ إلى هذا الحدّ. كلكم مجرمون. كلّكم. أستلزم الصمتَ أيضاً بعد هذا الاتّهام؟".

هززت رأسي إيجاباً، نظرتُ إليه برهبة فأجهشَ بالبكاء، وبعد هُنيهاتٍ قال: "تركتُ ابني مدفوناً قُرب منزلي. هل يمكنني أن أعود لأزوره؟ تركتُ إخوتي وأحبائي وأصدقائي، فهل سأودّعهم قبل أن أرحل عن هذه الحياة؟ تركتُ مدينتي وأبناءها ينزفون، فهل ستُقدّر لهم النجاة أم هم باتوا محكومين بحتميّة الموت؟ تركت تاريخاً من ذكريات المحبَّة والألفة واللاتمييز فهل ستسكن مكانها أحقاد كارثية؟ تركت توقاً إلى الحرية والكرامة والعدالة، فهل من سيبقى يُناضل من أجل هذه القيم؟ بالله عليكَ، أجبني قُل كلمة!" لم أشأ أيّ جواب.

إغرورقت عيناه مجدّداً بالدّموع. تاه في صمت. تلفّت إليّ مراراً بنرفزة. بادرني: "رجاءً قُل كلمة. هل تستطيع أقلّه طمأنتي بأنّكم تشعرون وجعنا؟ على مدى حرب لبنان كنّا نشارككم وجعكم، وكنّا نصلّي ليتوقّف ألمُكم. أرجوكُم كونوا إلى جانبنا.

لا تتركونا فريسة للمتواطئين. قوموا بمبادرة". رمقتُه بتؤدة، ربَّتُ كتفه وقُلت: "سأضيء شمعة وأصلّي من أجل الحريّة والحبّ في سوريا. ولعَن الله مَن لم يفهم أنّ الإنسان أهمّ من أي قيمة أخرى، وأنَّ التاريخ لن يرحم كلّ مَن استرسلَ في القتل. كلّ قتل".

إتّكأ على عكازه، وبادرني بهدوء: "لم أفهم حتى وأنا في العقد الثامن من عمري معاني الثورة البولشفيّة وتداعياتها على عالمنا العربي، كما لم أستوعب هذه الحماقة الإنكليزية في إقامة إسرائيل عدوانياً، وما زلتُ أبحث عن قيم الثّورة الفرنسية، أمّا عندنا هنا فلسنا سوى جثث آنَ زمنُ انتفاضتها!".

سلَّمتُ عليه مودعاً ومشيتُ باكياً.

 

← العودة إلى مختارات