إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الأرض الوهميّة والخسارة الحقيقيّة - ميشال عقل (النهار)

تعليقاً على مشروع القانون الرامي إلى زيادة عامل الاستثمار العام للعقارات غير المبنية على كامل الأراضي اللبنانية بهدف إيجاد مصادر تمويل لتغطية أعباء مالية، يهمّنا أن نلفت انتباه السادة الوزراء والنوّاب والرأي العام اللبناني الى جملة مُسلّمات ومخاطر تتعلّق بهذا الموضوع.

بالإستناد الى التجارب السابقة، وإلى الوقائع التي خلفتها سياسات الإرتجال المماثلة التي تجاوزت كُلّها الهيئات المختصة مثل التنظيم المدني ونقابتي المهندسين وذوي الخبرة والرأي في التنظيم والعمران ومؤسسات المجتمع المدني التي تُعنى بهذه الشؤون أهم سمات هذه المسلمات والمخاطر هي:
أوّلاّ: التأكيد على مُسلمة بديهية تُفيد بأن عامل الاستثمار الذي ينظم البناء في أي عقار هو محصلة علمية لدراسة مُعمّقة تستند الى عناصر وعوامل متداخلة تتعلّق جميعها بمستلزمات تنظيم المدينة واستعمال المجال والكثافة السكنيّة والبُنى التحتيّة والبيئة المبنية والأملاك العامّة والمساحات الخضراء والنقل…، تُترجم بمعدلات ونسب مئويّة للإستثمار لا يجوز تحت أيّ ظرف طارىء تعديلها أو تبديلها زيادةً أو نقصاناً ما لم تستجد أسباب تنظيمية مُوجبة. إنّ هذه المعدلات ليست حصراً مُلكاً وحقاً عينياً مكتسباً للعقار. هي مجرّد إجراء تنظيمي خاضع للمراجعة العلمية الفنيّة التنظيمية وفق غاية المُشرّع وأهدافه العمرانية والسكانية والاقتصادية. كما أنّه لا يجوز تحويل هذه العوامل إلى محفظة ماليّة أو بورصة أو مصدراً للضرائب والرسوم في أيّ ظرفٍ من الظروف.
ثانياً: المرجع الوحيد المخوّل في مثل هذه المسائل هو حصراً التنظيم المدني المؤسسة المولجة بدرس استعمالات الأراضي وعوامل الاستثمار وتعديلها لأغراض التنظيم المديني تحديداً ووفق مخطط شامل يُنظّم كل الأراضي اللبنانية. وكنّا قد استبشرنا خيراً عندما صدر المرسوم 2366 سنة 2009 الذي ينظم استعمالات الأراضي في لبنان ويصنّفها ويضع الحدود والضوابط لعوامل الاستثمار ويكلف التنظيم المدني بمتابعتها. وقد أتى هذا المرسوم بعد سنوات من الدرس والبحث وعلى قاعدة التخطيط الشامل لترتيب الأراضي اللبنانية، ليكون المرجعيّة الملزِمة للتنظيم المدني ومؤسسات الدولة والبلديات في كلّ ما يتعلّق باستعمالات الأراضي وعوامل الاستثمار. فإذا بالحكومة اللبنانية عن عمد تتجاوز هذا المرسوم والخطة التي تشكل مرجعيّته لتضرب الأساس فيه والغاية منه، باقتراحها رفع عوامل الاستثمار من دون دراسة أو استشارة التنظيم المدني ووزارة البيئة وسواها من المراجع المختصة.
ثالثاً: هي المرة الثالثة على الأقل في العقود الثلاثة الماضية 1980 (قانون الإسكان) و 1994 (تسوية المخالفات) و2004 (قانون البناء) التي تأتي فيها الحكومة لتعبث عشوائياً بعوامل الاستثمار بحجة إيجاد مصادر تمويل للخزينة من دون أن تكلف نفسها عناء درس هذه التجارب وتداعياتها وما خلفته من فوضى وتشويه وآثار على البنى التحتيّة، المتخلّفة أصلا، وعلى السلامة العامّة والبيئة الطبيعية والمبنية والتراث ونوعية الحياة وعلى الكثافة السكنية، والأخيرة أمست في بعض المدن اللبنانية المكتظة من الأعلى في العالم.
هذا فضلاً عن فشل تلك التجارب في تأمين الأموال المطلوبة ووجهة استعمالاتها أو في إنعاش الحركة الاقتصادية والعمرانية. فأين هي مثلاً العشرون ألف وحدة سكنيّة التي لحظها قانون الإسكان؟ الأخطر من هذا وذاك هو ما استجلبته هذه القوانين عبر السنوات من تكريس للمخالفة والتجاوز، وما شكلته من بيئة حاضنة للمخالفة والتعدي، حتى أمست من العادات اللبنانية المتأصلة "والثقافة الراسخة" فأصبح لا يخلو عقار مبني في لبنان من مخالفة. وأفضل مثال على ذلك العبث بالشاطىء اللبناني من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. علينا أن نضع حدّاً فاصلاً ونهائياً لهذه السياسة المهزلة وأن نُخرج هذا الخطاب وهذا التشريع من القاموس السياسي. علينا أن نُحارب هذه الفيروسات التي تنتشر كالفطر سواء كانت زيادة استثمار، أو نقله من عقار الى آخر، أو ترخيصاً استثنائياً، أو تشريع مخالفة على الأملاك العامّة،… علينا أن نقوم بتوبة وطنيّة وفعل ندامة، كما علينا واجب الإعتذار من الأجيال القادمة لأننا عبثنا بما فيه الكفاية بأرضنا وترابنا وثرواتنا… ولم يعد أمامنا أيّ مجال للتمادي أو التسامح.
إنها بالفعل جريمة موصوفة تقودها الحكومة بالتواطوء مع بعض الطبقة السياسية المتحكمة، تهدف إلى تحقيق مكاسب خاصة تستجلب خسائر مُعمّمة وطنيّة. علينا التصدي لها فنخرجها من الفكر والثقافة والتربية أوّلاً ومن التشريع ثانياً. فإذا بقيت هذه الأفكار وهذه المشاريع فلا تنظيم مدنياً ولا تراث ولا جمال ولا طبيعة.
رابعاً: إذا كانت الحكومة جادّة فعلاً في إيجاد مصادر تمويل لا تضرّ بالطبقتين الوسطى والفقيرة، فما عليها سوى أن تَنْظُر إلى وجهات أخرى وهي عديدة ومنوّعة مثل: زيادة الضرائب والرسوم على تجارة العقارات غير المبنيّة، وعلى الفوائد المكتسبة من الرساميل الكبيرة، وعلى أرباح الشركات المالية وخصوصاً المصارف (وللمناسبة إن المصارف تعلن موازنتها وأرباحها السنويّة في الصحف وما على وزارة المال سوى أخذها في الإعتبار وتكليفها على هذا الأساس) وزيادة القيمة المضافة على الكماليات كالسيارات الفخمة والكحول… وغيرها. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الثروة الضخمة جداً، المستثمرة من الطبقة السياسية إيّاها الموجودة في الحكومة وخارجها، المتمثّلة بالأملاك العامّة البحريّة والنهريّة التي تشغلها وتستغلها بكل وقاحة وعلنية من دون رسوم تُذكر مدى السنوات، في وقت لا يزال مشروع القانون المتعلّق بهذا الموضوع الذي وضعه النائب المرحوم وديع عقل قابعاً في جوارير مجلس النواب منذ عقد على الأقل. بعض الأرقام فقط من دراسة وُضعت سنة 2002 تكفي لإعطاء فكرة عن حجم عملية السطو هذه. ثمّة 1269 مخالفة موثقة وما يزيد على عشرة ملايين متر مربع من الأراضي البحرية المردومة المشغولة على طول الشاطىء اللبناني المستباح ما عدا المساحات المائية التي تتجاوز ذلك بأضعاف. إنّ فتح هذا الملف يؤدّي إلى إيجاد واردات كبيرة سنوية كرسوم إشغال وغرامات شرط عدم تشريع المخالفات على الأملاك العامة. ومن المقدر أن هذه المبالغ قد تصل إلى المليار دولار أميركي وتتجاوزه في حال تطبيق المفعول الرجعي.
خامساً: نُحييّ موقف الوزراء الذين عارضوا هذا المشروع ونُعلن تأييدنا للموقف الشجاع الذي أطلقه النقيب عاصم سلام، ونرحب بموقف كل من نقيب المهندسين في طرابلس بشير ذوق، ورئيس بلدية بيروت المهندس بلال حمد. ونطلب من نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس عقد اجتماع طارىء لمواجهة هذا المشروع. كما ندعو هيئات المجتمع المدني المختصة بالتنظيم المدني والعمارة والتراث والبيئة والشاطئ… أن تبادر الى أخذ موقف والتحرك لمواجهة هذه الآفة المتجددة.
سادساً : نطالب الحكومة اللبنانية بالكفّ نهائياً عن التداول في اقتراحات رفع عوامل الاستثمار أو بيعها أو نقلها، كما نطالب مجلس النواب بتشريع حازم بهذا الشأن يُشبه التشريع الذي أقرّه بشأن "الذهب" الذي يُحرِّم التداول به أو بيعه. فالأرض في لبنان والإنسان لا يقلان بالتأكيد أهميةً عن الثروة الذهبيّة.

← العودة إلى مختارات