إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

اللهم اهدهم في التيه - سمير عطالله (النهار)

صدر في 3 أيلول كتاب "ريفريارد كبوشنسكي"، مراسل القرن العشرين، بقلم زميله وصديقه أرتور دوموسلوفسكي، وأسارع الى الاعتذار عن اللهاث في لفظ الاسماء البولونية. ولد الالماني حامل نوبل، غونثر غراس في وانتزغ الالمانية التي صارت غدانسك، مهد الثورة العمالية التي بدأت انهاء الاتحاد السوفياتي. ولد كابوشنسكي في منسك، التي كانت من بولونيا، وصارت الآن في بيلاروسيا، عند آخر ديكتاتور في أوروبا، شرقها وغربها.
في أوروبا الديكتاتورية، الماحقة، الرافعة اعلام الموت، كانت حياة الشعوب وهوياتها وأوطانها، تتحرك بانتصار مجنزرة على أخرى. في كتابه "امبريوم" يروي كابوشنسكي أنه عندما ذهب الى المدرسة الداخلية، سألته المعلمة، ما هو الحرف الاول في الابجدية، فقال الألف. فضحك جميع رفاقه الصغار من القادم الجديد. صححت المعلمة: انه حرف السين، الاول في اسم سيدنا ستالين. ترتيب الاحرف الاخرى ليس مهما.
كان هذا الدرس الاول في علوم، وفي حياة كابوشنسكي، الذي سوف يضع للصحافة أروع أعمالها في القرن العشرين، وربما في جميع قرونها: "الامبراطور" وهو عن هيلاسيلاسي و"الشاه"، عن محمد رضا بهلوي. ولكن في رسائله كان يقرأ مواطنوه ضمنا عن ديكتاتور آخر، مستبد ومضحك، هو الجنرال ياروزلسكي، الجالس في فرصوفيا، خلف نظارتين سوداوين وجهل كبير.
قبيل وفاته، جاءت مجموعة من الطلاب الايطاليين الى فندق كابوشنسكي في بولزانو، توسكانا، شرق الجنة. وكان لدى احدى الطالبات سؤال: كرست حياتك برمتها للكتابة عن الفقراء، لماذا؟ ضحك البولوني الذي ولد بابتسامة تجرد خصومه وأصدقاءه من النقاش، وقال للطالبة إن 20 في المئة من سكان هذا العالم يملكون. الباقون ليس لديهم ما يطمئن الى الساعة التالية. يكون الانسان فقيرا، ليس لأنه جائع او بلا ممتلكات، بل لأنه متَجاهلٌ ومُحتقر: "الفقر هو عدم القدرة على قول الرأي". لذلك كرس حياته للتحدث باسم هؤلاء. لا بد ان يتولى ذلك أحد.
دلّني على البولوني المذهل قبل نحو ثلاثة عقود، الزميل وفيق رمضان، الذي على عكسنا، اختار الهجرة الدائمة. البيارتة محظوظون في المقام: هنا أهل مدن، وفي الغربة ليست لديهم قرى يحنون اليها، ولا خرير سواق يخدَّر الى الابد. الخرير المسحور. منذ ان قرأت كابوشنسكي وأدمنت، تحققت من أمرين: الاول، ليس من الضروري أبدا، ان تكون خلف المراسل العظيم صحيفة كبرى أو موازنة مريحة. وثانيا، إن بولونيا مثل لبنان، وهو مثلنا. مثل من يسميهم سكان "المناطق الحدودية"، هكذا، بالحرف.
كانت بولونيا، مثلما هو لبنان، بلدا بلا سيادة في الوسط، ومحتلا في الاطراف. عاصمته مشاع، يستطيع من يشاء ادعاءها، ولأهلها دور واحد: ان يصفقوا للقادم وأن يدقوا التنك للخارج. أو ان ينقسموا حول التهليل والتعليل. المذكرات تُكتب في ما بعد. والعمالة وجهة نظر. جانوس، المزدوج، جيكل وهايد.
يتذكر كابوشنسكي منسك الطفولة على أنها مدينة التعدد والتجاور. يفضل الأدباء الحلم على الحقيقة. لذيذة الاحلام. لكن شقيقته تتذكرها مدينة مترافضة، يشهر أهلها هوياتهم وأديانهم بعضهم في وجوه البعض. وتنام البيوت المتجاورة متحاقدة، متربصة، وخائفة.
تمشى البولوني في التاريخ ثم راح يتمشى فوق صفحة الحاضر، انكشف هذا السر عندما وضع كتابه "أسفار مع هيرودوتس"، أول المؤرخين (2007). كان هذا اللعين يقلد ذلك اليوناني الرائد. دعونا نفتح مزدوجين عابرين، على تاريخ وجغرافية الكائن البشري. لو عاش هيرودوتس اليوم، لكان مواطنا تركيا في بودروم، يستقبل السياح اللبنانيين ويتأكد من أن "كل شيء على ما يرام". كل شيء.
ليس لدينا، في العربية، رديف او زميل، لـ"البورتر" القرن العشرين. هذه طبقة من الصحافيين تحولت الى ظواهر من نوع أرنست همنغواي او غبرييل غارسيا ماركيز. بعد الاحتلال الاميركي للعراق على ايقاع تهديدات محمد سعيد الصحاف، رحت أترقب لأرى من هو الصحافي العربي الذي سوف يصنع مجده ومجد صحيفته من تغطية الحدث. ليس بالاصغاء الى وزير الاعلام او بحضور مؤتمرات الناطق العسكري الاميركي، بل بمحاولة تلمس أنفاس بغداد، الخارجة من اقصى همجيات الديكتاتورية الى أبعد مذلات الاحتلال.
عبثا ترقبنا. ثم جاء البيروفياني ماريو فارغاس يوسا (مع ابنته) يكتب لـ"الموند" خمس حلقات عن العراق التائه. أجمل ما قيل للبابا في زيارة لبنان، ما قالته اللبنانية النقية نازك الحريري: هل لنا ان يهدي الله النفوس التائهة.
لسي هناك ما هو أصعب من التيه. عاش كابوشنسكي شيوعيا ومات في اليسار، لدى الثمانين في المئة. لكنه توقف عن ان يكون شيوعيا بالمعنى الرسمي 1956، عندما انقض السوفيات على ثورة المجر. عندها خطر له انه لا يمكن الافظاظ والجهلة والجزارين ان يحسّنوا أحوال البشر. وانتبه الى أن الشيوعية انتقلت من ثقافة لينين الى عامل منجم يدعى خروشوف. وبعد أعوام قليلة سوف يضرب هذا الرجل بحذائه على منبر الامم المتحدة. كان أكثر المتضايقين أعضاء الوفد المرافق: فالزعيم يعيد ارتداء جوربي الامس كما يعيد اجترار الكلمات القليلة التي حفظها.
في المناسبة الاولى خلع الثلاثي بريجنيف – كوسيغين – بودغورني صاحب المحاجة بالحذاء. الاحذية ليست حضارة ولا انتصارا، وعندما رمى الصحافي العراقي منتصر الزيدي جورج بوش بالحذاء، حوّل الرئيس الارعن الى ضحية. أعقب ذلك ان وزير الاعلام السوري آنذاك ذهب الى المطار لاستقبال الزيدي كبطل. في الماضي كان ابطال سوريا من نوع يوسف العظمة وجول جمال. لم يكن الاستاذ بلال من الجيل الذي حضر أمثولة خروشوف.
يقول كابوشنسكي ان منسك الفقيرة، كانت مثل افريقيا، التي صنعت نصف مجده الصحافي، خالية من الطرق والكهرباء والاحذية.
حين تصف الملاحم الفقر لا تقول إن أهله جياع، بل حفاة. كان صديقي جبران كورية، الناطق الصحافي باسم الرئيس حافظ الاسد، يعاتبني دائما: أنت تقسو دائما على ماو تسي تونغ وتنسى أنه أخرج الصينيين من عصر الحفيان. وكنت أقول له لا يجوز أن يكون الحذاء ثمن الحرية. الحذاء من دون حرية، قيد.
ازدهرت بولونيا الحرة حتى تقدمت معظم أوروبا. وبقيت منسك على كآبتها وملوحتها، مدينة بأنهار كثيرة، لكن المحيط هو الذي يصب فيها بدل ان تحمل اليه عذوبتها. وأهلها، مثل أهل موكندو، بلا صديقه غارسيا ماركيز، المتخيلة، يصابون دوما بموجات من الارق والنسيان. أما بيروت، مدينة العلتين، فهي حقيقية مثل منسك، تبحث عن حالم مثل كابوشنسكي أو افتراضي مثل ماركيز. لم تعثر حتى الآن سوى على مؤرخ أحزان وأمجاد، في سمير قصير.
عظمة كابوشنسكي انه رأى الدنيا التي خرج اليها مراسلا "من خلال"، وليس "من فوق" مثل مجايليه من الاميركيين والبريطانيين والفرنسيين. لذلك رأى الناس والاشياء، وليس "القضايا". جاء يخبّرنا، وليس يعلّمنا مثل السيد روبرت فيسك. حكواتي بسيط رائع لا يلغي من ذهنه اطلاقا، ان على الحكواتيين ايضا، مسؤولية الاحساس بمعنى التاريخ. فمن يدري؟ قد تطلب الى الشهادة فلا تترك ضميرك في الخارج.
بدأ البولوني الانسان عمله الصحافي في العشرين من العمر. كلف الذهاب الى الهند قبيل زيارة جواهر لال نهرو الى فرصوفيا. صدمه في دلهي ان البقر المقدس غير خاضع لقانون السير، في أي اتجاه. وقبل عودته الى بولونيا سبقته نكتة في البلد الذي كانت تصنع فيه (وتعرّب في مصر) كل النكات على الانظمة الاشتراكية. تقول: لماذا قرر نهرو المجيء الى هنا بالسروال؟ الجواب: لئلا يشعر الاشتراكيون البولونيون بالحرج.

 

← العودة إلى مختارات