صخب... لصحة التمثيل المسيحي! - نبيل بو منصف (النهار)
يكشف الجدل السياسي المتصاعد حول قانون الانتخاب التباسا تاريخيا بدأ مع اتفاق الطائف ولا يزال يتمدد ويتصل بغموض المعايير التي يفترض ان تحكم وضع هذا القانون. وقد اتاح هذا الغموض للطبقات السياسية المتعاقبة منذ 22 عاما فتح معارك دورية كل اربع سنوات واستنبات قوانين غالبا ما تعكس ظروف التوازنات السياسية اكثر مما تتجه الى ثبات في التشريع او الى عملية اصلاحية حقيقية وفق معايير شفائية للبنان الطائفي – المذهبي ووضعه على آفاق علمانية بعيدة المدى.
ولعله من أسف شديد ان يبرز هذا الخلل في جولة الجدل الحالية عبر النفخ المفرط في مسألة التمثيل المسيحي حصرا مهددا مرة جديدة بتشريع ظرفي ستمليه تسوية عابرة في النهاية ثم يبدأ الإعداد للجولة التالية.
يثير تضخيم الصخب المسيحي الذي تتطوع له القوى المسيحية قبل سواها، مجموعة محاذير مبدئية متى قيست بالارتدادات التي احدثتها حتى الآن. ثمة اولا طعن ضمني واضح على ايدي هذه القوى نفسها بمبدأ التحالفات العريضة التي قامت منذ 2005 في معسكري 8 آذار و14 آذار. العونيون الذين عادوا بقانون الستين عام 2008 رافعين شارات النصر للمسيحيين ينقلبون عليه الآن طاعنين بأنفسهم. ومسيحيو 14 آذار الذين فازوا بأكثرية موصوفة في دورتين كأنهم يطعنون الآن في الصفة التمثيلية لعشرات النواب المسيحيين المنتخبين على قاعدة ائتلاف سيادي عريض.
وثمة ثانيا تبرئة ذمة مجانية تمنح لزعامات تقبض على طوائف اسلامية برمتها بإذكاء الصراع المسيحي – المسيحي وتصوير المعركة الانتخابية صناعة مسيحية خالصة، لا معركة مصير سياسي اوسع وأعم. ولعل المفارقة هنا ان الضرب على الخاصرة المسيحية يحجب واقع الثنائيات او الاحاديات لدى الطوائف الاسلامية التي سيجد اقطابها في الصخب المسيحي افضل حاجب لواقعها ويوفر عليها عناء خطر ضرب الاستئثار بطوائفها، وهو " الخطر " الذي يفترض بأي قانون اصلاحي ان يقيمه ويسلطه على كل الواقع اللبناني. وثمة ثالثا استعادة استفزازية مجانية لعداوات وخصومات تنكأ بعمق ما لم يعد يتصوره عاقل لدى المسيحيين، فاذا بجدل على قانون الانتخاب يستحضر ادوات هالكة ولغة هابطة وحوربة عقيمة مبتذلة من شأنها ان تغني سائر الآخرين عن خوض معاركهم ما دام " المسيحيون " يؤخذون بالجملة كمتطوعين لتصدر الواجهة حتى موعد الانتخابات.
فهل تراه صراع مسيحي – مسيحي مستعاد بوجوه قديمة – جديدة سيحسّن التمثيل النيابي والسياسي، ام تراه سيقف في وجه اصوليات مرعبة تضرب المنطقة برمتها على انقاض الانظمة الديكتاتورية ؟ واي قانون سينشل لبنان من واقع ازماته اذا كان المسلمون يتلطون وراء صراع مسيحي لخوض معاركهم بالواسطة، والمسيحيون يلهون بترف ظرفي ظنوا معه ان صخبا كهذا اعاد اليهم العصور الذهبية؟