إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

رسالة السفيرة أنجلينا إيخهورست في صحيفة النهار: الحاجة إلى أوروبا أكثر توحيداً وإلى لبنان أقل انقساماً - أنجيلينا أيخهورست (النهار)

هي مفاجأة سارة، هذا أفضل ما يمكنني أن أصف به رد فعلي عندما تلقيت خبر نيل الاتحاد الأوروبي جائزة نوبل للسلام. ولم يفت معنى الجائزة بالتأكيد الكثير من شركائنا اللبنانيين الذين قدموا لنا التهنئة، في إقرار منهم بالقوة التحويلية للاتحاد.
لقد حقق الاتحاد الأوروبي السلام والأمن والديموقراطية والحرية لسكانه الذين يقارب عددهم اليوم خمسمئة مليون نسمة. ويبرز هذا الرقم المذهل بوضوح التحول اللافت لقارتنا التي انتقلت من قارة للحرب إلى قارة للسلام. وهذا ثمرة عقود من العمل المتناسق في الكواليس غالباً والبيروقراطي أحياناً. لقد بنينا الثقة وأبرمنا الاتفاقات وأنتجنا هدفاً مشتركاً من تنوعنا.
لقد شهد الاتحاد لحظات تغيير استثنائية. ففي الستينات من القرن الماضي قامت المؤسسات الأوروبية، وفي السبعينات والثمانينات حصلت التحولات الديموقراطية في جنوب أوروبا ووسطها وشرقها، وفي التسعينات تم إطلاق الأورو، وفي السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين حصل التوسع الكبير، وهي عملية مستمرة مع انضمام كرواتيا سنة 2013.
والمشروع الأوروبي فريد من نوعه، إذ يبقى على رغم تحدياته الداخلية وأزماته الظرفية مصدر توق ووحي لمن هم خارج حدوده، أي للدول التي تسعى إلى الانضمام إليه والشعوب التي تسعى إلى العيش فيه.
لكن المشروع عبارة عن عمل دائم التقدم، إذ تبقى الكثير من الأمور التي يجب إتمامها. فعلى الصعيد الداخلي، يعني هذا ضمان تمتع مواطني الاتحاد بحس مسؤولية أكبر حيال المشروع وإمكان تلمسهم جميعاً لمنافعه. أما على الصعيد الخارجي، فهذا يعني بذل المزيد من الجهود لتعزيز السلام والأمن والازدهار في العالم. وليس ثمة شك في أن جائزة نوبل تساعدنا في مواجهة تحديات ضخمة من هذا القبيل.
وعندما يُقال إن "غياب الأخبار يعني أخباراً جيدة"، فالمعنى الفعلي هو أن "الأخبار الجيدة ليست بالأمر الجديد". فهناك الكثير من الأخبار الجيدة عن الاتحاد الأوروبي التي تبقيها وسائل الإعلام أحياناً طي الكتمان. وحتى اليوم، على الأقل، هناك ما يكفي من الأخبار السيئة لإبقاء العناوين مدوية عن فشل أوروبا في هذا الأمر أو ذاك. لكننا نعلم أن الفشل الذي يراه الآخرون هو نتيجة توقعات طموحة شجعناها. وبعد نيل الجائزة، من الطبيعي أن تكون التوقعات أعلى. في الواقع، كان مضمون أحد ردود الفعل الأولى التي تلقيتها في لبنان هو أن "على الاتحاد الأوروبي أن يضع الآن حداً للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي". وقال آخرون إن "الوقت حان لإقناع الإيرانيين بوقف تخصيب الأورانيوم". ولاحت توقعات أخرى في الأفق تناولت حل الأزمة المروعة في سوريا المجاورة. ما من شك في أننا مستعدون للمساعدة حيث أمكن، لكن القليل يمكن فعله في غياب اهتمام واضح من أولئك المعنيين بإيجاد حل دائم. في الحقيقة، يبدو بعض الأطراف مصممين على المحافظة على مصالحهم الخاصة اياً كان الثمن، منصبين أنفسهم لاعبين في لعبة فيها غالب ومغلوب.
ربما هي لحظة قد تتوقعون فيها مني استخلاص الدروس للبنان. لكن المواطنين اللبنانيين يعرفون أكثر من أي كان ما هي هذه الدروس. فليس من مهمة أوروبا أن تملي حلاً، ولكن من المهم التذكير بأن هناك وضعاً يعود بالفائدة على جميع الأطراف، وبأنه يمكن تعزيز وحدة هدف من دون إثارة الشك أو السلبية. فكما تعلمنا، لا يمكن تحقيق السلام بصورة تلقائية، بل إن السلام خيار واعٍ وموزون. ونحن نعلم أن ثمن النزاع عالٍ، لكن قيمة التوافق أعلى. في الواقع، يمكن بناء الوحدة من خلال التنوع والمسيرة تكتسب زخماً عندما يشارك الجميع فيها. وفي إمكان لبنان أن يبقى ذلك المثال الفريد للتعايش والاعتدال والانفتاح والحرية في المنطقة. غير أن هذه الإنجازات تبقى في نهاية المطاف حقاً وامتيازاً محصوراً باللبنانيين.
لقد أصبنا جميعاً بصدمة كبيرة جراء الاغتيال الوحشي للواء الحسن. وقد كنت في بروكسل أناقش مسألة الوقاية من الأزمات مع بعض من يعرفون لبنان جيداً، عندما سمعنا خبر الاعتداء. لقد كان الأمر مروعاً لأنه يعيد ذكريات الحرب الأهلية والاغتيالات التي حصلت في الفترة الماضية الأقرب وفظائعها واضطراباتها. وينسى الكثيرون تقدير قيمة ما تم إنجازه في لبنان منذ ذلك الحين. كما أن ما حصل أعاد الشبح القبيح للتفكك والخصام والانتقام، وهي أمور تساهم كلها في التطرف والكراهية.
يدرك الأوروبيون تمام الإدراك أين يمكن أن تؤدي هذه المشاعر. والسبيل الوحيد لتجاوزها هو من خلال إرادة المحافظة على الهدوء والتزامها والتفكير قبل الكلام. فالكلام يكون مفيداً فقط عندما تكون الأفكار مرتبة بشكل مناسب، أي من خلال حوار منظم، أي حوار وطني، والعودة إلى القواعد الأساسية للتواصل، والدخول في حديث حقيقي. إنها صيغة تجمع الخصوم وتجعلهم يتفاعلون مباشرة في ما بينهم وليس من خلال هواتفهم الذكية وأجهزة الكومبيوتر وشاشات التلفزيون.
يتشاور الرئيس سليمان حالياً مع جميع الأطراف، وهو في حاجة الى كل الدعم الممكن من أجل جمع الأطراف معاً للتأكد من عدم وجود مساحة لمزيد من العنف. وهو قادر على ذلك، والشعب اللبناني قادر على ذلك، كما كان الأوروبيون قادرين على ذلك في الخمسينات من القرن الماضي. لذلك فإن الأوان لم يفت بعد، ويتعين على أوروبا اليوم، تماماً كما كانت الحال بعد الحرب، أن تواجه أكثر أزماتنا الحالية. كما يتعين على الشعب اللبناني اليوم، تماماً كما كانت الحال بعد حربه، أن يمكّن لبنان من التوصل إلى سلام دائم.


عودة

← العودة إلى مختارات