علـــى الحافـــة - عباس بيضون (السفير)
نقف على الحافة، انه عصاب اللبنانيين، منذ عقود والحافة هي مجازنا المثالي، الحافة هي أيضاً رمزنا وعصابنا، نقف على الحافة وفي حسباننا ان السقوط فيها لا مناص منه. لكننا ننجو ولا نسقط ولا يمر وقت حتى نجد أنفسنا ثانية على الحافة ومرة ثانية يعود العصاب نفسه، نتساءل عندئذ عن حق إذا كان البلد يستحق ان نهلع من أجله، ان كنا نستحق ان نهلع لأجل أنفسنا، إذا لم نكن في الهاوية أصلاً والحافة نفسها وهم، إذا لم يكن ما يجري هو وعي الهاوية يخامرنا بدون ان ندري أننا، من زمن لا يقدر بالسنين بل بالعقود، صرنا في داخلها.
يمكننا ان نفكر ابتداء من 1860 ونقول لأنفسنا ان مائة سنة، قرنا كاملاً انقضى قبل ان تنفجر أحداث 1958. بعد ذلك تتابعت الانتكاسات من 1974 إلى يومنا هذا، انقسام مستعص ونعرات مستعصية وتعبئة طائفية دائمة، ونسأل أنفسنا، من يقود هذا البلد الذي يتقلص حيز التحديث فيه إلى حد مخيف. تنهار الدولة أو تتحول إلى عكاكيز وصراعات جوانيه، تنهار الدولة وتخترقها انقسامات المجتمع وتتحول إلى معسكرات متضاربة، إلى ميدان آخر للتنازع الطائفي، إلى مجال لهذه الحرب المستترة الخرساء التي تتواصل منذ 38 سنة عداً ونقداً. استمرت ولمّا نفذ وقودها ولمّا أصابها العياء لم تنته، مرت باتفاقات تآكلت واستهلكت فور أو بعيد قيامها، اتفاقات علتها الأساسية انها اتفاقات وانها قامت بالرغم من الجميع وتحت ما يريده الجميع، علتها الأساسية انها لا تستنفذ مشكلة ولا تجيب على ورطة وانها ليست الا هدنات بعضها انخسف بمجرد ان قام، فهناك حرب، وهناك روح الحرب وزخم الحرب، والحرب شيء والهزيمة شيء آخر. الحرب شيء والسياسة شيء آخر، الحرب شيء والهدنة شيء آخر، ما دام ان أحداً لم يرم سلاحه، ما دام ان هذا السلاح يتحول من مظهر إلى مظهر، هو أحياناً يتقمص المظاهرات المليونية والاعتصامات، هو أحياناً يتقمص الصراع على الدولة وداخل الدولة، هو أحياناً يتقمص السجال السياسي والعصبيات السياسية. هو أحياناً يتقمص التحالفات الداخلية والتحالفات الخارجية، هو أحياناً يتقمص الاغتيال والتفجير والمناوشات العسكرية. الحرب لا تنتهي ما دامت تجد دائماً شكلاً آخر أو هي في الغالب تجمع أشكالاً شتى، فهناك في وقت واحد الاغتيالات والصراع الدولتي والتعبئة الطائفية والمناسبات الحاشدة والاعتصامات. هناك في وقت واحد شتى أنواع السلاح وكله يضرب وكله يصيب وكله ينوب عن كله وكله يؤدي إلى كله. كله ينتهي أيضاً إلى ما يشبه العار فهذه الركاكة وتلك الرقاعة وذاك السخف وهذا الفجور وتلك الرعونة، كل هذه لا تعني إلا ان المجتمع وقد تبعثر وتذرر يغرق في حماقاته وادعاءاته وبهوراته وسخفه وركاكته، ذلك يعني ان تدهوراً ثقافياً يحل وان ما نصير إليه وما نتجه إليه، بنى ومقامات ورتبيات وقيادات هو ما ينتجه الواقع الخام بدون ان يتعرض إلى تحويل، وبدون ان يتعرض إلى أي صقل، وبدون ان يتعرض أو يعرض على فكر سوى الموروث والعرقي والقبلي. ما نصير إليه هو نوع من سيادة اللاوعي، ليس سوى انتصار للغريزة، سوى تجل للواقع الخام. سوى التقليد البحت، سوى سلفيه وأصولية على كل المستويات وفي كل الحقول والمجالات. ما نصير إليه هو نوع من الانحطاط المتواصل الذي يتجرجر ويزداد مع الوقت انحداراً.
مع ذلك فإن لبنان هو جسر بين الشرق والغرب، وهو إذا نظرنا إلى اللغة ونمط الحياة أكثر البلدان العربية تمغربا، انه البلد الذي أنتج العروبة أو كان بين منتجيها، وهو البلد الذي نظّر للرابطة السورية، وهو البلد الذي كان في ريادة الأدب الحديث، والبلد الذي ينتج نخباً في شتى المجالات، وهو بلد التعليم المكثف وبلد الثلاث لغات، وبلد الديموقراطية السياسية أو على الأقل الممارسة شبه الديموقراطية التي كان الأول فيها، البلد الأكثر علمانية والأكثر احتضانا لقيم ونمط عيش يميلان إلى الفردية ويؤثران الحريات الخاصة. بلد كهذا لنا الحق في أن نتساءل إلى أين صارت نخبه وإلى أين انتهت دعاويه الوطنية أو القومية وإلى أين أدى تعليمه المكثف ولغاته الثلاث وممارسته الديموقراطية أو شبه الديموقراطية وعلمانيته أو شبه علمانيته وقيم الفردية والحريات الخاصة. كيف لم تنجح هذه كلها في ان تنجيه من هذا التقهقر المستمر، او تحجزه عن ان يتدهور أو تصحيّ مجتمعه وطوائفه وأفراده على قيم يفترض انها في أصل تكوينه، واستعداده لها سابق وأصيل، ومخامرتها لممارساته وتاريخه ظاهر وصريح.
كيف لنا ان نعتبر ان النخب التي تتكون في هذا البلد هي نخب في كل شيء إلا في ما يخص الدولة والسياسة والمجتمع، انها قد تكون نخباً تقنيه وقد تكون نخباً في نمط عيشها وفي قيمها الفردية، لكنها تتدهور أو قل انها تنفصم حين يتعلق الأمر ببناء البلد وهويته ونظامه ودولته. هل تستطيع ان نجد عازلاً بين حياة الأفراد الخاصة وحياتهم السياسية، هل ثمة عازل بين انتماء الأفراد الكوني وانتمائهم المحلي، هل هناك عازل بين الهوية والعيش، بين الواقع والثقافة. أم ان الركاكة الحالية قد تكون انتقالية، فالنظام الطائفي سيبدو أكثر فأكثر مسدوداً والنخب ستنسلخ أكثر فأكثر عنه، والقيم الفردية والعلمانية ستنتقل شيئاً فشيئاً إلى الممارسة السياسية والدولتيه والمجتمع وسيكون على نحو متزايد نصب ممارسته الديموقراطية وقيمها علينا أن نصبر، أن ننتظر، المهم أن نفكر منذ الآن.