حرب غزة التكتيكية وحرب نيويورك الإستراتيجية - جهاد الزين (النهار)
من المفترَض أن تحمل فلسطين خلال ساعات لقب بل رتبة دولة للمرة الأولى في تاريخها على أعلى منبر دولي: الجمعية العمومية للأمم المتحدة. هذا وحده أيا تكن صفة الدولة، مراقباً أو غير عضو، يعطي لهذه المواجهة الديبلوماسية الكبيرة مع إسرائيل طابعاً استراتيجيا أكيدا.
لذا يجب عدم التردّد في القول بعد أيام على انتهاء حرب غزة التدميرية التي شنّتها إسرائيل على “حماس” أن مواجهة نيويورك اليوم هي أكثر استراتيجية في السياق التاريخي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي من “حرب غزة”. لا بل إذا كان لا بدّ من المقارنة بين كلٍّ من المواجهتين الديبلوماسية الآتية والعسكرية المنتهية فإن معركة غزة “تكتيكية” لأنها مؤقّتة النتائج مع اسرائيل ويمكن أن تتغيّر في أي لحظة سواء إلى الأمام أو إلى الوراء بالنسبة إلى كلٍ من طرفيها الفلسطيني والإسرائيلي بينما معركة نيويورك استراتيجية لأن نتيجتها إذا تحقّقت – ولو أنها معنوية – فلا عودة عنها إلى الوراء.
ومع أنه في غزة خاضت المواجهة على الطرف الفلسطيني حركة نشيطة عسكريا، في كامل حيويّتها الأيديولوجيّة والسياسية، و باتت مُشرّعة على عالم عربي تتقدم فيه شعبيا وسلطوياً “عائلة” الحركات الدينية التي تنتمي إليها وهي حركات “الإخوان المسلمين” من المغرب إلى مصر… هي حركة “حماس” (والى جانبها حركة “الجهاد الاسلامي” الايرانية الولاء).
ومع أنه في نيويورك تخوض المواجهة على الطرف الفلسطيني “سلطة وطنية” في غاية الضعف السياسي وتنتمي إلى حركة وطنية باتت في خط انحداريٍّ سياسيا وأيديولوجيا واقتصاديا وفقدت مع هذا الانحدار الكثيرَ من زخمها الأخلاقي ومشروعيّتِها الشعبية وحيويّتها النضالية…
مع كل ذلك… فإن انتصار نيويورك إذا تحقّق بحصول فلسطين على رتبة “دولة” على مستوى المؤسّسة العالمية، حتى مع وجود 132 دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف من جانب واحد بصفتها هذه حاليا، وحتى قياسا بإنجاز تحقيق العضوية الكاملة لفلسطين في منظّمة “الأونيسكو” العام المنصرم… سيكون انتصاراً تاريخياً كبيراً في مسار الصراع منذ عام 1947 عندما صدر القرار 181 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية… وفي اليوم ذاته 29 تشرين الثاني الذي سيصدر فيه القرار الجديد.
إسرائيل هي الدولة الأكثر إدراكاً للأهمية الإستراتيجية الفائقة لقرار الجمعية العمومية المنتَظَر في نيويورك ولذلك تواجهه بشراسةٍ، ما هو معلنٌ منها أقلُّ من غير المعلن… وما هو متوقّعٌ بعدها من ردود فعل مؤذية للفلسطينيين من الجانب الإسرائيلي أقل من غير المتوقّع؟
أما بالنسبة لنا في العالم العربي فإن هذا الانتصار المنتظَر يشكّل محطة سياسية نادرة ولربما الوحيدة بهذا المستوى منذ عام 2000 والتي يمكن معها إعادة ضخِّ الحياة في المشروع الذي حَمَلَهُ جيلٌ “علماني” فلسطيني وعربي بكامله منذ عام 1967 وبدا في السنوات الأخيرة وكأنّه يلفظ أنفاسه لا سيما بعد اغتيال رمزه الأول ياسر عرفات ودخول “حركة فتح” وفصائل المدرسة الوطنية و”العلمانية” التي رافقت مسيرتها وقاتلت تحت لوائها في ترهّلٍ شبه قاتل.
تستعيد “جثةُ” مشروع بناء الدولة الفلسطينية المستقلّة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية مع الانتصار الديبلوماسي الكبير في نيويورك أنفاسَها بعد “الموت الكلينيكي” الذي دخلت فيه من جرّاء صعود اليمين الإسرائيلي والذي نجح في تهميش “اتفاق أوسلو” وشلّ طاقته على التطوّر كما كان الرهان الأصلي لقيادة ياسر عرفات عليه.
فلْنتخيّل أيّ أفقٍ سيُفتح قريباً أو سيكون متاحا بعد قرار الجمعية العمومية… سواءٌ للمناورات التكتيكية أو للقرارات الإستراتيجية أمام الضغط الإضافي وربما غير المسبوق الذي سيلجأ إليه العدو الإسرائيلي في الضفة الغربية … أرض التوسّع الإستيطاني الذي لم يتوقّف والأرض التي سيتقرّر عليها مستقبل الدولة.
تحرّرت غزة لا شك بمسار نضالي عالي الأثمان البشرية والمادية وربما تكرّس استقلالها عن إسرائيل في الحرب الأخيرة… لكن لا فلسطين بدون الضفة. وغزة بدون الضفة مجرّد “إمارة” هزيلة تجعل “الوطن البديل” على الضفة الأردنية هو المطروح لا فلسطين.
عاشـــت فلسطيــن التي ستتحـــوّل خـــلال ساعـــات مـــن أراضٍ تحت الاحتــــلال إلى دولـــة معظمهـا – باستثناء غزة – تحت الاحتلال. إنها موجودة أكثر بعد نيويورك.