إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

فاروق الشرع يخرج من أسره - الياس حرفوش (الحياة)

إذا لم يكن فاروق الشرع منشقاً عن النظام السوري، فكيف يكون الانشقاق إذن؟

لم يترك الرجل، الذي ما زال يحمل الصفة الاسمية كـ «نائب للرئيس»، أي قرار أساسي من قرارات نظام بشار الأسد من دون أن يتناوله بالانتقاد الصريح والواضح في الكلام الأخير المنسوب إليه. لم يوفر «الحل الأمني» الذي يعتمده الأسد، ويعتبره المدخل الوحيد للقضاء على «الإرهابيين». وإذ انتقد الشرع هذا الحل، ورفض إطلاق هذه الصفة على المعارضين، اعتبر أن ما تقوم به قوات الأمن ووحدات الجيش لن يحقق الحسم (وهو الكلام نفسه الذي قاله فاروق حجاب رئيس الحكومة السابق بعد انشقاقه). كما لم يتردد في الإشارة الواضحة إلى هوية المسؤول عما يجري في سورية، فقال أن الرئيس السوري يملك في يديه كل مقاليد الأمور في البلد، وأحياناً يحسم الرؤساء والمديرون العامون قرارهم بالإشارة بأصابعهم إلى صورته المعلقة فوق مكاتبهم!

وبعبارات لا تخلو من رغبة الشرع في كشف سياسة الكذب التي يعتمدها النظام يقول: «منذ بداية الأحداث كانت السلطة تتوسل رؤية مسلح واحد أو قناص على أسطح إحدى البنايات، والآن السلطة وبكل أذرعتها تشكو كثرة المجموعات المسلحة». إنها الصورة الحقيقية للانطلاقة السلمية للانتفاضة السورية قبل أن يحولها النظام إلى مواجهة مسلحة مع المعارضين الذين لجأوا إلى كل سبيل متوافر لهم للدفاع عن أنفسهم وعن عائلاتهم وبيوتهم في وجه قمع النظام. وهي صورة ينقلها بأمانة استثنائية ابن درعا، مهد أطفال الانتفاضة.

وإذ ينتقل الشرع إلى وصف الحل، ويتفق مع الأخضر الإبراهيمي على أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، يؤكد أن الحل السياسي يبتعد يوماً بعد يوم، وأن هناك حاجة إلى تسوية تاريخية تشمل الدول الإقليمية الأساسية ودول أعضاء مجلس الأمن. وعندما يتحدث عن دول إقليمية، فهو لا بد يقصد، من دون أن يسميها، الدول التي يتهمها نظام الأسد برعاية «الإرهاب»، وعلى رأسها تركيا ودول الخليج، كما لا يتوقف عند السعي وراء دعم روسيا والصين كما يفعل النظام، بل يرى ضرورة إشراك الدول الغربية الثلاث الأخرى في الحل، وهي الدول التي باتت مواقفها معروفة من رفض بقاء الأسد في السلطة وضرورة التمهيد لمرحلة انتقالية تكون فيها لحكومة الوحدة الوطنية التي يتم تشكيلها صلاحيات واسعة. وهي العبارات نفسها (حرفياً تقريباً) التي يعتمدها الشرع في وصف شروط التسوية الضرورية لحل الأزمة. لينتهي إلى التأكيد: «يجب أن نكون في موقع الدفاع عن وجود سورية ولسنا في معركة وجود فرد أو نظام» ... وواضح من المقصود بهذا الكلام.

ربما نسمع من يقول، في معرض التحليل، أن الشرع يحضر نفسه من خلال تصريحاته الأخيرة لموقع معين في المرحلة الانتقالية. أو انه منتدب من الأسد نفسه لقول ما قاله وللعب هذا الدور في سبيل حماية بقاء النظام بدل انهياره على رؤوس الجميع. لكن مستوى الانتقاد الذي وجهه الشرع إلى النظام، وتحديداً إلى رئيسه، يجعل تحليلاً كهذا بعيداً كل البعد عن الحد الأدنى من الواقعية.

فبشار الأسد لن يشعر، عند قراءته كلام «نائبه»، سوى برائحة الخيانة. إذ ما معنى أن يقول الشرع إن مؤسسات الدولة، منذ تولى بشار السلطة، أصيبت بالترهل وأصبحت تعمل بقوة «العطالة المكتسبة»؟ ما معنى هذا سوى أن فاروق الشرع ينفض يديه من أي مسؤولية عن التدهور الذي بلغته الأمور خلال العقد الماضي على يد الرئيس الشاب الذي جاء مغموراً بالوعود و»ربيع دمشق» المبكر؟

قد يكون ذنب فاروق الشرع انه أطال صمته ووقوفه في مقعد المتفرجين على ما يجري، لكن إطلالته الأخيرة تعوض ذلك. إنها إطلالة من قلب دمشق، على عكس ما اقدم عليه آخرون بعد خروجهم منها. وسوف تكون لها تداعيات كثيرة على وضع الرجل وعلى موقعه. فالنظام الذي يتوهم أن «الحل الأمني» هو الوحيد الذي سوف ينتصر، لن يوفر أحداً في طريقه إلى هذا «الانتصار» المزعوم.
 

← العودة إلى مختارات