إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

"هيئة لادارة الكوارث" التي يمكن أن تحصل ... وليس لتلك الحاصلة حاليا! - حبيب معلوف (السفير)

تتزايد الكوارث في لبنان وتسابق تشكيل «هيئة إدارة الكوارث» التي يفترض أن تحلّ مكان «هيئة الإغاثة» التي تجاوز مهامها الزمن والتطورات ونوعية الكوارث.
بين أيدينا الآن نص «اقتراح قانون إنشاء هيئة إدارة الكوارث»، كما عدّلته اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة. ينص الاقتراح على إنشاء «هيئة رسمية لإدارة الكوارث» تتولى شؤون الكوارث بمراحلها كافة لا سيما التحضر، الترقب، الاستجابة وإعادة الإعمار. ويقترح إنشاء هذه الهيئة من مجلس أعلى يترأسه رئيس مجلس الوزراء.
اقتراح يحمل الكثير من الأفكار المتقدمة في مواجهة الكوارث، لكنه يحتاج الى المزيد من التدقيق في التعريفات، كما يحتاج الى آليات تنفيذية فاعلة ومتفاعلة قد لا تكون متوفرة في بلد مثل لبنان. فإدارة الكوارث ان لناحية الوقاية اولاً او لناحية الرصد او لناحية التدخل، تحتاج الى تعاون كل وزارات واجهزة الدولة، وهذا المطلب، أي «التعاون»، هو حلم لم يتحقق يوماً في لبنان، حتى في الحكومات التي تسمى «متجانسة». لكن قبل الوصول الى المرحلة التنفيذية، والى فلسفة إدارة الكوارث، يجب ان نجيب على أسئلة أساسية. فإذا كان المطلوب إنشاء «هيئة إدارة الكوارث»، يجب أن نحدد أولاً ما الذي بات يصنف «كارثة»؟ وما الفرق بين كارثة طبيعية وأخرى من صنع الإنسان؟ وأي نوع من الكوارث يتناول اقتراح هذا القانون؟ ومن هي الهيئة التي ستتولى هذه الإدارة ومهامها وصلاحياتها؟ وكيف ستكون هذه الإدارة واستراتيجياتها وأولوياتها؟
يعرف اقتراح القانون الكارثة بـ«الحدث الذي يؤدي إلى اضطراب في أداء المجتمع أو التجمعات يتضمن خسائر كبيرة في مجال أو أكثر، في الأرواح والنواحي المادية والاقتصادية والبيئية، تفوق قدرة المجتمع أو التجمع العمراني المتأثر على مواجهتها باستخدام موارده الذاتية».
وهذا يعني ان المشرعين والخبراء الذين يعملون على اقتراح هذا القانون، لا يعتبرون أن هناك كوارث الا تلك التي تقع او تحدث في المستقبل. وهذا يعني ضمناً ان هيئة ادارة الكوارث، التي هي هيئة تضمّ معظم الوزارات برئاسة رئيس الحكومة، كما سنرى لاحقاً، لا ولن تهتم إلا بالكوارث التي تأتي وتحدث لاحقاً فقط، وهي غير معنية بالكوارث الموجودة حالياً! مع الإشارة الى ان الكوارث الحالية والمتمادية كالاعتداءات الضخمة على الأملاك البحرية والنهرية وعلى الأملاك العمومية ومخالفات البناء وسوء التخطيط المدني وجبال ومكبات النفايات على الشاطئ وفي الوديان وتشوهات المقالع والكسارات وفوضى العمران وتلوث التربة والمياه وانحسار المساحات الخضراء وتهديد التنوع البيولوجي... هي أكبر من أي كارثة طبيعية محتملة مثل الزلزال و/أو موجة التسونامي (مد البحر) والفيضانات وحرائق الغابات وانزلاق الأرض والجفاف (مع استبعاد الثورات البركانية والأعاصير المدارية عن منطقتنا).
قد تساهم بالكوارث الكثير من القطاعات في لبنان. السياحة وزيادة الطلب على الطاقة والمياه قد تتسبب بكارثة وتلوث لا يُحدّ. وزيادة استخدام المياه والمبيدات والمخصبات الكيميائية في الزراعة قد تتسبب بكارثة، بالإضافة الى زيادة إنتاج واستهلاك الطاقة واستخدام السيارات الخاصة، على سبيل المثال، التي قد تتسبب بكوارث... الخ
كما قد تنعكس الكوارث الطبيعية والبيئية (من صنع الانسان) على الكثير من القطاعات. فكيف سيتم اشراك المعنيين بهذه القطاعات في الاجراءات المخففة من الكوارث؟ هذا غير ملحوظ في مقترح القانون.
ثم ألا يفترض التمييز بين الكوارث الطبيعية او القدرية كالزلازل وبين تلك التي يساهم في صناعتها الانسان؟ كما أن «التغير المناخي» لا يعتبر قدراً، كما ورد في الاسباب الموجبة للقانون. فهو حسب التقارير الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والتي تبنتها كل دول العالم عندما صدقت على الاتفاقية الاطارية لتغير المناخ، ناجم عن «اسباب انسانية»، وما عاد يصنف ضمن «الكوارث الطبيعية»، وعلى الدول (الدولة اللبنانية ضمنها) ان تقوم بإجراءات للتخفيف من الانبعاثات المتسببة بالتغيرات المناخية، كما عليها أن تضع السياسات لكيفية التكيّف معها. وهذا الموضوع لا يدخل على ما يبدو في مشروع قانون «هيئة إدارة الكوارث». على اي حال، سواء تم اعتبار التغيرات المناخية ضمن الكوارث الطبيعية او خارجها، فان مقترح القانون لا يشمل الإجراءات المخففة من الانبعاثات المتسببة بالظاهرة وتجب اعادة درس هذا الموضوع واستدراكه ضمن عناصر الوقاية للحد من الكوارث.
اقتراح القانون يلغي «الهيئة العليا للإغاثة» ويقترح استبدالها بجهاز يعرف بـ «الجهاز المركزي للإغاثة» يرتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء ويُناط بهذا الجهاز أعمال الإغاثة في الحوادث الطارئة والمحدودة التي يكلفه بها المجلس أو التي يقرر مجلس الوزراء تكليفه بها. يتابع هذا الجهاز اذاً تنفيذ الأعمال والأشغال التي كانت تقوم بها الهيئة العليا للإغاثة، ولكن الا يفترض وضع معايير لتقديم التعويضات التي تقدمها عادة هذه الهيئة. هل يفترض ان نستمر في تقديم التعويضات للمخالفين على سبيل المثال، لاسيما كبار المخالفين والمعتدين على الأملاك العامة البحرية والنهرية الذين غنموا الكثير من جراء مخالفاتهم إذا ضربتهم موجات تسونامي او استعاد نهر مجراه؟! هل يفترض التعويض على كبار المزارعين الذين خالفوا قوانين الطبيعة وزرعوا بعض المنتجات في غير مواسمها في بيوت بلاستيكية اذا هبّت عاصفة على خيمهم؟
انطلاقاً مما تقدم، ألا يفترض أن يحدد اقتراح القانون المسؤوليات والمهام بشكل أوضح وان يضع آليات للمحاسبة ايضاً والانطلاق مما تفرضه قوانين الطبيعة كمعيار ومنطلق؟
فماذا في اقتراح القانون وأسبابه الموجبة؟ «السفير» تنشر أهم ما ورد فيه للمساهمة في النقاش والإسراع في اقرار ما يفترض اقراره؟
حبيب معلوف
 

← العودة إلى مختارات