النساء في مجلس الشورى بالسعودية إقرار بالواقع! - نهلة الشهال (السفير)
لا يمكن لعاقل ألا يفرح بقرار الملك السعودي تعيين ثلاثين امرأة في مجلس الشورى، وإرفاق ذلك بإقرار نسبة إجبارية لحضور النساء، هي 20 في المئة من مجمل أعضاء ذلك المجلس. والاهم، تضمن القرار إعلانا عن حقهن في ترشيح أنفسهن للمجالس البلدية، وهي الهيئات الوحيدة في السعودية التي تتشكل عن طريق الانتخاب العام.
ثمة من سيقلب شفاهه استهزاء ويقول كلاماً عدمياً، بمعنى خارج كل سياق، ولا تاريخي خصوصاً. صحيح أن حضور المرأة في الهيئات، في أي مكان من العالم، حق وليس منّة، وصحيح أن مجلس الشورى السعودي معين بأكمله وليس منتخباً، وهذه علة مبدئية، وهي جزء من بنية متكاملة تجعل الشعب السعودي كله موضوعاً تحت الوصاية الدائمة لحكامه، أوُلي أمره الذين لا تجوز معصيتهم. وصحيح أن لهذه الفلسفة المتزمتة أصلها وفصلها، وأن تبريراتها كما وظائفها تجددت بالتأكيد مع اكتشاف النفط والتحكم بريوعه... ولكن إدراك ذلك بكل تشابكات مستوياته، ما بين الديني (المتبلور وفق انتقاءات كما دائماً) وما بين الجيوستراتيجي (اختصاراً)، لا يلغي ميل المرء أحياناً إلى تقدير «طليعية» بعض المسؤولين مقارنة بالأجواء العامة في بلدانهم. وقد يبدو هذا التأكيد مستغرباً لأن الحكام والمسؤولين في السلطات عناصر كبح، مهمتها ضبط التطور الاجتماعي بما يناسب مصالح الفئات المهيمنة. وهو تعريف السلطة. ولكن إنكار «دور الفرد في التاريخ» سذاجة، بل موقف لا يقل تزمتاً عن سواه. ولا يمكن كذلك تجاهل النتائج الاجتماعية المترتبة على الفوارق بين مواقف المتنفذين. إذ كان يمكن أن يصل إلى الرئاسة في السعودية ملك يناهض ويحجب أي منجز لصالح البشر، وبالأخص لصالح النساء. ثمة عدميون آخرون يعتبرون ذلك من شروط اندلاع التمردات والثورات. وهذا غير مبرهن عليه!
لذا كله، يحق لنا إحاطة قرار الملك السعودي بالترحيب والفرح.
ولأن العقل السائد اختزالي، يراوح ما بين مطلقين (ما يقال له حصر الواقع وحركته والموقف منه ما بين أسود وأبيض)، نسارع للقول أن قرار تعيين ثلاثين امرأة في مجلس الشورى السعودي ليس نهاية المطاف في الصراع من أجل الاعتراف بمساواة المرأة كانسان وكمواطن. بالتأكيد لا. وأن الخطر الأول الذي يمكن تلمّسه مباشرة اليوم في الأدبيات المرحِّبة بالقرار هو الانتقاص منه، كمحاولة للالتفاف عليه وتحجيمه وتحويره، لأنه نص على ممارستهن لدورهن بحقوق كاملة، تجيز لهن المشاركة في كافة النقاشات وتقديم التوصيات في أي مجال، وليس في «القضايا التي تخص المرأة» فحسب، والأنكى حين يضاف إليها «قضايا الأطفال والتربية والصحة»، وكأن وجودهن في الشورى امتداد للوظيفة الأمومية، بل وكأن الرجال معفيون من الاهتمام بتلك القضايا لانشغالهم بما هو «جوهري» كالسياسة والاقتصاد والحروب.
وبعض المرحبين بالتأكيد منافق، كان حتى أمس يسخر من مطالبات النساء، أو يمارس هواية زجرهن، ويخفض من شأن المرأة عموماً. ولكنه يخضع اليوم لما يريده السلطان. وهذا خطر ثانٍ، لأن هؤلاء الذين يبتلعون الموسى الآن، ويزايدون، فيقولون بأن قرار الملك «تفعيل شرعي» (!) لدور المرأة الحيوي، يتحينون الفرص للانقضاض على ذلك القرار. ولا ننسى أن التزمت إياه يصل أحيانا إلى مستويات تبدو كاريكاتورية، كأن تعارض هيئات «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» عمل النساء في محلات بيع الألبسة والمستلزمات النسائية، بحجة مناهضة عمل المرأة، لما فيه من خطر الاختلاط بالرجال. فبالله عليكم، كيف تشتري امرأة ملابسها الداخلية من رجل؟ أو تجرب مستحضرات زينتها على يديه؟ ذلك فيه حرج حتى في فرنسا. ولكن المتزمتين يريدون منع النساء من العمل، ما يمنحهن مكانة وشيئاً من الاستقلالية، ويقيهن الوقوع تحت رحمة رجالهن يتحكمون بهن. ذلك هو الأصل في الاعتراض، وليس وجود مزايا شرعية في بيع الرجال حمالات صدور للنساء.
وعلى كل ذلك، فهذا بمجمله صراع دائر، اختارت كثيرات من السعوديات خوضه بطريقة تدريجية ومواربة، فرحن يَحْصلن على أعلى الكفاءات، العلمية والعملية، ويعملن لتحقيق ذواتهن، ويتقنَّ عملهن، لأن في إتقانهنَّ له حماية من الانتكاس دون ما حققنه. وكانت تلك بدايات تأمين الحضور في الحقل العام، وهي كلمة سر التمكن من الحقوق، بل والتحرر. وحين أجيز لنساء الترشح لغرفة تجارة جدة منذ بضع سنوات، كان ذلك فتحاً. وها هن عضوات في كافة غرف التجارة في البلاد. ومن المؤكد أن هناك ربات أعمال ناجحات، ولكن هناك أيضا تميّزا (سببه على الأرجح الاشتراطات القاسية المحيطة بخوض الصراع، وهو في الوقت نفسه إحدى نتائج ذلك الصراع الدائم) في المجالات الأخرى لنساء سعوديات. فالدكتورة خولة الكريع مثلاً، العضو المعين في الشورى، والتي مُنحت على ذلك وساماً ملكياً رفيعاً، هي كبيرة أخصائيي السرطان في المملكة، ورئيسة قسم أبحاثه وعلاجاته في مستشفياتها التخصصية. وهي على ما يبدو شخصية عالمية معروفة. فهل يعقل أنها لا تعالج إلا النساء؟ بالتأكيد لا. ولكنها قد تحتاج إلى محْرم حين تسافر لحضور مؤتمرات عالمية، وهي بالتأكيد لا يحق لها قيادة سيارتها (والنقاش حول حق النساء في قيادة السيارة بات أمراً مضجراً بسبب مقدار تفاهة المثال وشهرته في آن). ومثل «البروفيسورة» أخريات، بل اغلب المعينات متفوقات مهنياً، وإن كان الاختيار قد لحظ التمثيل المناطقي أيضاً، مما لا بد منه بالتأكيد.
وقد نشرت الصحف على صدر صفحاتها الأولى، حين صدر القرار بتعيين النساء في مجلس الشورى، صورة الملك عبد الله يستقبل السيدة الكريع... ويصافحها. وهذا «الفعل» الأخير كان حكراً على السيدات الأجنبيات من الدبلوماسيات اللواتي يستقبلهن الملك. فهل لقوة مثال تلك المصافحة الجدية كما صورتها الصحف، ورمزيتها، أثر في فك قيود التزمت المضحك السائد في السعودية وسواها؟ ذلك أن أي تغيير لا يحفل فحسب بالخطوات الكبرى، بل يتعلق أيضاً بالتفاصيل... ولو أن المصافحة بين رجل وامرأة كانت تبدو من الكبائر، ولو أن في التعليقات والتغريدات التي أعقبت قرار الملك ما يشي بحالة الاستقطاب المتوتر: مَنْ انطلقت سخريته من النفاق المريع، بين تزمت ظاهر وفحش مستتر، وبين مَنْ استنكر الأمر برمته واعتبره خروجاً عن الدين، مطالباً بالرجوع عنه.
حضور النساء في الحيز العام، ذلك هو الأصل. ففي كل مكان، يخضع التحكم بالنظام القائم لكيفية تنظيم الفضاء أو «المكان» العام، توزيعه على الفئات، وتحديد من يظهر فيه ومن لا يحق له الظهور والكلام والتعبير والتأويل... وهن، السعوديات، حاضرات في الواقع، ولو ببعض من نخبهن، ولو بصورة كان ينقصها الإقرار بذلك الحضور ليصبح الواقع «حيزا عاماً».