مجلس نواب "الأمة" أم مجلس الطوائف والمذاهب - المحامي ماجد فياض (النهار)
يمثل رئيس مجلس النواب، في ما يعلنه الدستور من أن لبنان "جمهورية ديموقراطية برلمانية (الفقرة ج من المقدمة)، رأس السلطة التشريعية لوطن "نهائي لجميع أبنائه، "واحداً" أرضاً وشعباً ومؤسسات" (الفقرة أ من المقدمة). فهو – بهذا المعنى والمضمون – رئيس "مجلس الشعب" الواحد الموحد، ورئيس "مجلس الأمة" (كما في تسميات مجالس النواب في دساتير أخرى)، باعتباره منتخباً من قبل "نواب الأمة" في لبنان، ما دام هؤلاء الأخيرون هم نواباً انتخبهم اللبنانيون – كمواطنين – من دون تفريق وفرز بينهم على أساس الدين أو الطائفة أو المذهب (يراجع مقالنا في "النهار" بتاريخ 18/ 1/ 2013)، وما دام أن "عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء، ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه". ولذا، فإن المكانة المعنوية التي يحتلها رئيس المجلس النيابي مكانة وطنية سامية سمو موقعه، بسبب من تمثيله المواطنين اللبنانيين عامة، ولا تعلو مكانته سوى مكانة رئيس الجمهورية في نظامنا "الديموقراطي البرلماني"، باعتباره "رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن" (المادة 49 من الدستور) الساهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان "ووحدته" وسلامة أراضيه، وفقاً لأحكام الدستور – دوماً.
فساعة ينجح مؤيدو مشروع اللقاء "الأرثوذكسي – الفرزلي" وداعموه في فرض قانون انتخاب مذهبي، يفرز المواطنين على هذا الأساس، فإن كل طائفة/ مذهب سيكون لها ممثلوها، وليس "نواب الأمة" ممن يعنيهم من شؤون الوطن – لبنان، ما يعني طائفتهم/ مذهبهم من مصالح وحاجات، ولا تمتد – بالضرورة – الى ما هو مشترك مع سائر الطوائف والمذاهب، وقد لا تتفق المصالح والحاجات الطائفية – المذهبية إطلاقاً في بعض المناحي. ووقت تكون "المصلحة الوطنية العليا" هي موضوع النظر في مجلس النواب (بما هي تعبير عن مصلحة المواطنين اللبنانيين ككل)، فإن جميع المصالح والحاجات الطائفية المذهبية تتضاءل أمامها.
أما في مجلس نواب منتخب على أساس قانون الفرز المذهبي "الأرثوذكسي – الفرزلي"، فإن أياً من الكتل النيابية الطائفية – المذهبية (بما هي ممثلة لطائفة – مذهب، وبما هي تعبير عن مصالح طائفة – مذهب وحاجاتها وهمومها)، لا يجوز لها أن تتنازل في هذا الشأن، باعتبار أن وكالة النائب عن الطائفة – المذهب مقيّدة بقيد حسن تمثيل مصالح منتخبيه من طائفة – مذهب معينة وحاجاتهم، وشرط انتخابه الأساس، أن يدافع عن هذه المصالح والحاجات دونما تنازل عنها.
وفيما يعني دور رئيس مجلس النواب في تراتبية توزيع السلطات، في نظام ينجم عن مثل ذلك القانون المذهبي، فهو ليس أكثر من ممثل لطائفته – مذهبه فحسب. وهو – وقتذاك – يترأس مجلس نواب الطوائف – المذاهب في لبنان، بما يكاد يتطابق مع دور "الشيخ" في ما خص تمثيل كل نائب وصفته عن الطائفة – المذهب، وبما يجعل من رئيس مجلس النواب اليوم "شيخ مشايخ" الطوائف – المذاهب، وليس رئيس "مجلس الأمة". وقد يحسن آنذاك بمؤيدي المشروع المذهبي وداعميه، ان يدخلوا تعديلاً على الدستور اللبناني، فينزعوا صفة رئيس مجلس النواب، ويُحلوا محلها صفة "شيخ المشايخ".
وأما الحديث، الذي يختبئ وراءه اليوم مؤيدو هذا المشروع المذهبي وداعموه بصدد تطبيق المادة الرابعة والعشرين من الدستور، فحديث باطل يُرادُ به باطلٌ محض، أشد وأدهى. فلئن كانت المادة الآنفة الذكر تشير الى أن المقاعد النيابية توزع وفقاً للقواعد الآتية: "أ – بالتساوي بين السميحيين والمسلمين. ب – نسبياً بين طوائف كل من الفئتين. ج – نسبياً بين المناطق". فإنها لم تشر – بأية صورة من الصور – الى انتخاب المواطنين اللبنانيين على أساس "فرز طائفي – مذهبي". ولم يسبق أن حدث – مرة – في تاريخ لبنان السياسي مثل هذا الأمر. كما أن أحداً لم يخطر بباله هذا الخاطر عند وضع الدستور أو خلال مناقشته في مداولات عام 1962، بل على العكس، كانت هناك أكثر من دعوة الى إلغاء الطائفية السياسية كلياً، وبحسب المادة 95/ القديمة من الدستور (1926). وأما المادة 95/ الجديدة من الدستور (1990)، فقد نصت على ما يأتي: "على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية...".
فمن أين يأتي مؤيدو هذا المشروع الطائفي – المذهبي (والمدافعون عنه "مواربة"، الذين يدّعون انتماء الى المناخ الديموقراطي والمجتمع المدني والمواطنية – نسباً وإيماناً)، بما يشير الى انتخاب المواطنين باعتبارهم طوائف – مذاهب، وقد فرزوا على أساس الانتماء الطائفي – المذهبي، وسينتخبون، على هذا الأساس، ممثلين في كل طائفة – مذهب، في وقت يعلم كل مطلع على القانون الاداري والدستوري – في هذا الصدد – أن شرحه وتفسيره، يلزمه تقيّد دقيق بما ورد في النص، من دون كثير توسع أو قياس، حرصاً على أبقاء غاية المشترع في الحدود التي وضعها لها، ووجّه اليها. فهل سعى واضعو وثيقة الطائف أو تخيّلوا – في أسوأ كوابيسهم الفكرية/ الوطنية مرارة – أن الشعب اللبناني، الذي رأوه "واحداً موحداً" وأرادوه كذلك، يمكن أن يفرز على أساس الانتماء الطائفي – المذهبي، وينتخب على هذا الأساس؟! لا يبالي واضعو المشروع المذهبي ومؤيدوه وداعموه بالإجابة عن ذلك...