إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

لماذا يرفض "حزب الله" أن يُضبط متلبّساً بالدفاع عن قانون انتخاب محدّد؟ - ابراهيم بيرم (النهار)

اي قانون انتخاب يريده "حزب الله"؟ سؤال طرحه كثر في الآونة الأخيرة على انفسهم وعلى قيادات في الحزب نفسه لكنهم لم يجدوا جواباً حاسماً ونهائياً.
امر التكتم على هذه المسألة ليس عابراً بالنسبة الى الحزب بل هو مبني على فلسفة وقراءة عميقة للواقع السياسي الراهن والمستقبلي في البلاد من خلال اعتبارات ووقائع عدة ابرزها:
إن الحزب يعي تماماً ان موضوع وضع قانون انتخاب لتجري على اساسه الانتخابات المزمع اجراؤها مبدئياً بعد نحو خمسة اشهر، ليست مسألة موضعية ومحددة وعابرة، بل ان الحزب يتعامل معها على اساس انها جزء لا يتجزأ من معركته السياسية المتوالية فصولاً منذ اعوام انطلاقاً من اقتناع فحواه ان نتائج هذه الانتخابات تحدد هوية المرحلة السياسية المقبلة وخريطة التحالفات والأحجام.
بناء على كل هذه الوقائع اتبعت الخلية التي أولتها قيادة الحزب مهمة ادارة معركة قانون الانتخاب، نهجاً اساسياً هو ان لا يتم الزام الحزب بوجهة محددة، اي الانفتاح على مجموعة خيارات انتخابية تسمح بمرونة واسعة.
الشعار الاساسي للمعركة كان كما ورد على لسان ممثل الحزب في اللجنة النيابية الفرعية علي فياض: إما عدالة طائفية وهو ما ينطبق على مشروع "اللقاء الارثوذكسي"، واما عدالة وطنية وهو ما يتصف به قانون النسبية. وطبعاً ثمة منازل بين هاتين المنزلتين تسمح للحزب بالمناورة والمرونة وبعدم الاحراج.
وعليه فان الحزب بدأ يشعر في الآونة الاخيرة ان سياسة عدم إلزام نفسه بوجهة معينة ومحدّدة حيال قانون الانتخاب هي التي أباحت له خوض غمار تجربة تأييد مشروع "اللقاء الارثوذكسي" الذي كان في خاتمة المطاف "ضربة معلم" حققت اهدافها المضمرة وهي انها وضعت جميع خصومه في زاوية رد الفعل.
والثابت أن "حزب الله" كان لا يخفي ارتياحه وهو يرى من مقاعد الصفوف الخلفية جبهة خصومه في قوى 14 آذار تنقسم على ذاتها ويشكك بعضها بالبعض الآخر وخصوصاً تيار "المستقبل" الذي بدا في لحظة وكأنه في حالة انفراد وتفرد لا يغرد معه في السرب إياه الا المسيحيون المستقلون في اطار 14 آذار. وفي المقابل كان الحزب يثبت مرة جديدة انه مع حليفيه المسيحيين في اي خيار يأخذانه وانه غير مستعد للمناورة أو المساومة في هذا الاطار.
والذين يسألون قيادات الحزب عن هذا السر الذي يدفعهم الى عدم المضي قدماً في الطريق المفضي الى تطوير النظام السياسي عبر تطوير العملية الانتخابية، ومن ثم تأييد مشاريع قوانين يقر الجميع بأنها تعزز روح الانقسام والشرذمة في البلاد وهو واقع الحال المشكو منه، بدل التمسك بقوانين تنطوي فعلياً على فرص لتطوير الحياة السياسية وكسر الحلقة المفرغة والقاتلة التي تدور فيها منذ زمن، مثل القانون النسبي، فان الاجابة غير المباشرة تفيد بأن الحزب مضطر في هذه المرحلة الى اللعب مع الخصوم والحلفاء على حد سواء في الملعب الذي يحبذونه ويجدون فيه ضالتهم المنشودة وهو ملعب الحسابات الضيقة، لأن كل الاطراف ليست في وارد الذهاب نحو تطوير النظام السياسي وتحديث مؤسساته وعصرنتها. ويضيف هؤلاء انه إذا كان بعض الاطراف السياسيين في جهة الخصوم وفي صف الحلفاء، يأخذون على الحزب انحيازه المعلن الى جانب "المشروع الارثوذكسي" الذي يعيد البلاد سنوات الى الوراء، فكيف يفسر تيار "المستقبل" والحزب التقدمي الاشتراكي هذا الدفاع المستميت والتمسك الشرس بقانون الستين الذي يعيد عجلة الاوضاع في البلاد الى أكثر من نصف قرن من الزمن؟
في كل الاحوال فإن "حزب الله" ما انفك يقيم على قراءة فحواها أنه يمكن التفاهم على مشروع قانون توافقي، وان الفرصة لذلك لم تفت بعد، انطلاقاً من ثوابت ومسلمات أظهرتها التطورات المتسارعة التي تلت تقدم مشروع "اللقاء الارثوذكسي" الى الواجهة، ومنها ان لا مجال بعد اليوم لاعادة نفخ الروح في قانون الستين وامرار الوقت بغية جعله أمراً واقعاً في خاتمة المطاف.
وثمة في دوائر القرار في الحزب من لا يقلل قيمة المحادثات والاتصالات الرديفة الجارية في أكثر من مكان خفي ومعلن، بغية انضاج تفاهم وتسوية حول قانون توافقي. وعليه، فالحزب على بينة من تفاصيل الحوار "المتأخر" الذي بدأ بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس فؤاد السنيورة وتيار "المستقبل"، وبالتالي فهو لا "يتحسس" اطلاقاً من استمراره لبلوغه محطة مثمرة، مع ادراكه المسبق ان تيار "المستقبل" ما كان ليقدم هذا التنازل لو لم يكن قد ولج فعلاً مرحلة اعادة النظر بحساباته ومراهناته.
وبالنسبة الى الحزب كانت السنة الماضية سنة كسب خياراته بالجملة بدءاً من صمود حكومة الرئيس ميقاتي في وجه كل الانواء التي هبت في وجهها، مروراً بثبات مراهناته على صمود النظام في سوريا وقد وضع نصب عينيه الآن انه يكسب في هذه السنة خيار قانون انتخاب آخر غير قانون الستين، وكل ذلك كان بعقله البارد ونَفَسه الطويل. فهل يكسب الرهان مجدداً؟

 

← العودة إلى مختارات