"المشروع الانتخابي المذهبي" أو العبث بمعنى لبنان - محمود سويد (النهار)
لنتجنب بادىء ذي بدء إلصاق المشروع الانتخابي، على أساس المذاهب، بالأرثوذكس أو الأرثوذكسية فهذه وأولئك بعيدة/ بعيدون كل البعد عن المعنى الذي يشي به المشروع أو قد يوحي به. فالأرثوذكس العرب هم العروبة الصافية قبل الإسلام وبعده.
والأرثوذكس اللبنانيون هم أكثر المذاهب نقاء وطنياً، وهم يجسدون، كنيسة ونخباً وجمهوراً، العيش المشترك والوحدة الوطنية اللذين غابا، بهذا القدر أو ذاك، عن كل المذاهب الرئيسية الأخرى، في مراحل تاريخية مختلفة من عمر لبنان المستقل.
لنسم "مشروع اللقاء الأرثوذكسي" إذن: المشروع الانتخابي المذهبي، فهذه تسمية موضوعية وحقيقية.
إن مضمون المشروع: إعادة تقسيم لبنان إلى كيانات مذهبية، يجدر أن يبحث على أنه مشروع دستور للبنان جديد، وليس مجرد قانون انتخابي.
فهذا المشروع يلغي الميثاق الوطني عام 1943 الذي تكرس أيضاً ميثاقاً للعيش المشترك المتجدد والمؤكد في اتفاق الطائف والدستور الحالي المنبثق من هذا الاتفاق.
وإذا كان اتفاق الطائف والدستور المستند إليه لم يطبق بعد أكثر من ثلاثة عقود، فإن المنطق يقضي بالسعي إلى تطبيقه لا إلى نقضه. وإذا كان ثمة جماعات لبنانية ترى أن الميثاق الوطني واتفاق الطائف تقادما (Caduque) وصار لازماً للبنانيين ميثاق جديد يصوغ مستقبل بلدهم في تجمعات مذهبية متعددة تقيم في ما بينها رابطةً ما يتفق عليها، فمن الخفة أن يعالج مستقبل اللبنانيين، بعد تجربة العيش المشترك – بكل تقلباتها – في ظل الاستقلال، في عجالة انتخابية تشبه "الوجبات السريعة" (Fast Food).
قد تكون تجربة العيش المشترك في نظر البعض عبثية وفاشلة (الى درجة الإحجام عن تطبيق اتفاق الطائف ثلث قرن ونيف). وفي هذه الحالة، أي العودة إلى نقطة البداية، أليس من الأجدى صوغ كل المشاريع: التقسيم، الفيديرالية، اتحاد المذاهب، اتحاد العلمانيين إلخ... وتقديمها إلى مؤتمر وطني جامع وشامل، وحده يحق له صنع مستقبل اللبنانيين؟
واستطراداً – بلغة المحامين – إن الأكثرية الساحقة من النخب الثقافية اللبنانية غير منخرطة في التشكيلات السياسية القائمة، دينية كانت أم مدنية. وعليه، فإن هذه التشكيلات تستطيع ادعاء تمثيل عددي لا نوعي للأفراد أو الجماعات اللبنانية التي تنتمي إليها. ولهذا – أي لأنها تفتقر فعلاً إلى النخب الثقافية (المثقفون الذين ينتسبون إلى حركات سياسية يتحولون – إجمالاً – إلى: زعيمي وحزبي دائماً على حق) وإلى المفكرين والمرجعيات الوطنية المعترف بها وذات الصدقية – فإنها تتمكن من قيادة "جماهيرها" وتنمية غرائزها وتحريك هذه بناء للطلب.
نظرياً وأدبياً وقانونياً: هل يحق لهذه التشكيلات السياسية أن تصنع مستقبل لبنان واللبنانيين؟
يستجيب المشروع المذهبي للحالة السائدة في المنطقة العربية، وهو لهذا بالذات يتسم بقصر النظر. فالحالة السائدة بديهية بعد انهيار أنظمة استبدادية عاتية، دامت عشرات السنين، وأعدمت خلالها المجتمعات المدنية. فكان طبيعياً أن تسود الفوضى بعد الثورات الشعبية التي أطاحت أنظمة القمع والفساد هذه، وأن تكون الأحزاب الإسلامية، مرحلياً، هي الأقدر على ملء الفراغ، لأسباب معروفة لا مبرر لتكرارها.
لكن ما يدعو إلى تفاؤل الأوساط المدنية العربية هو أن بدء محاولات التصحيح لم يتأخر. وهذه حال مصر وتونس التي تؤكد ثوابت أهمها:
- استحالة قيام أنظمة دكتاتورية عسكرية أو دينية في البلاد العربية (كنتيجة للثورات العربية)، تخضع لها الشعوب العربية وتسلس لها القياد.
- قدرة الحريات، وعلى رأسها حرية الصحافة والرأي، على المواجهة والصمود.
- ترسخ الفكرة الديموقراطية وتعدد الأحزاب.
- حضور المثقفين والمفكرين في الثوارت العربية بصورة تأثير متنام.
بدلاً من أن تدرك القوى السياسية اللبنانية الأبعاد المستقبلية للثورات الشعبية العربية، وتحث الخطى في لبنان كيلا يفقد موقعه الطليعي – على الرغم من كل عيوب ديموقراطية نظامه وحرياته – وتعكف على تصحيح النظام السياسي ومعالجة شوائبه، إذ بقوى أساسية من مكونات الشعب والوطن تقدّم الغريزة على العقل، والمصلحة الفئوية الآنية على المصلحة الوطنية، والتكتيّ على الاستراتيجي. وبدلاً من الدفع نحو تصحيح المثالب، تلتف، في إطار وحدة عصبيات متنافرة، حول مشروع يعيد لبنان إلى ما قبل 1943، ويؤسس لحروب أهلية جديدة ويمهد لانقسام المذهب الواحد نفسه إلى أجزاء وجماعات.
لبنان أكبر من وطن: إنه رسالة. كان هذا وعداً رؤيوياً لمشروع وطن أطلقه رجل تاريخي.
أحب البابا يوحنا بولس الثاني الشعب اللبناني وأحسن الظن به. أمسك البابا الراحل بمعنى لبنان: يكون صاحب رسالة في المنطقة الع
ربية أو لا مبرر لوجوده. وماذا تعني "الرسالة" غير المثال والنموذج للديموقراطية والحريات والانفتاح الحضاري والتطور الاجتماعي، والقدرة على ضخ العدوى في المحيط؟
أليس هذا هو الحلم اللبناني؟ بل أليس هذا ما يتطلع إليه المستنيرون العرب: أن تكون بلدانهم على صورة لبنان ومثاله؟
المشروع المذهبي يقلب الصورة رأساً على عقب: فبدلاً من أن يكون لبنان رائداً للتقدم والتطور في بيئته العربية، يعود القهقرى إلى الأربعينات، لتفرض عليه المنطقة في المستقبل المتوسط منطق التطور رغماً عنه. سوف تهب عليه رياح الحرية والديموقراطية – من المجتمع الأقرب إليه – في غد غير بعيد، بعد أن ينتصر الشعب السوري وتطيح ثورته الباسلة الطاغية الأكثر قدرة على التدمير والأكثر كرهاً لشعبه وبلده.
إننا نشهد إرهاصات نهضة عربية جديدة تمر بالمراحل الطبيعية التي يقتضيها منطق التطور. والعودة بها إلى الوراء لم يعد خياراً.
ويجدر بهذه النهضة التي تجتاح مجتمعاتنا كإعصار تصحيح الكثير من المفاهيم والأخطاء الشائعة. ومنها اعتبار المسيحيين العرب أقليات. الاختلاف الإثني يصنع أقلية وسط الأكثريات. كالشعب الكردي المظلوم والمضطهد من أنظمة إسلامية وعربية، (تركيا، إيران، العراق، سوريا). المسيحيون العرب لا يطالبون بممارسة حضارة وثقافة ولغة وعادات مختلفة عن نسيج المجتمع الذي يعيشون فيه، إنهم يطالبون بحقوق المواطنة المتساوية. وهذا حق بديهي ينبغي أن تناضل النخب الثقافية والسياسية المستنيرة في المجتمعات العربية – المسلمة منها على الأخص - من أجل تحقيقها. ومن واجب الجماعات المسيحية العربية أن ترفض اعتبارها أقليات وأن تنضم إلى صفوف العلمانيين والديموقراطيين والمدنيين العرب، لأن الأهداف واحدة والمصير واحد، منذ أن تصالحت المسيحية مع العلمانية، على عكس الأكثريات الإسلامية التي تفرض على السواد الأعظم من شعوبنا، بالتواطؤ المصلحي بين رجال الدين والاستبداد، تشويهاً في المفاهيم ينتج حالة مَرَضية مدمرة.
ليس هذا – على أي حال – هو وضع المسيحيين اللبنانيين. إنهم الأول في المجتمع اللبناني، بمفهوم السياسة الراقية: العلم والثقافة والاقتصاد والمؤسسات الأكاديمية والتعليمية والصحية وغيرها. ولديهم تنوع سياسي يجدر تطويره وحماية ديناميته وتعدد خطابه، بدلاً من التحسر على أحادية التمثيل الطائفي الإسلامي الاستتباعي والإلحاقي، والانجذاب إلى مثاله.
من حسن حظ اللبنانيين أن لديهم الآن رئيساً شجاعاً ينظر إلى "مستقبل واعد للبنان." من خلال المحافظة على "الديموقراطية والتعددية"، ويسعى إلى قانون انتخاب يحمي "الديموقراطية الميثاقية: ميثاق العيش المشترك الذي يفرز الكتل السياسية ليس على أساس المذاهب، ويلغي الأحادية المذهبية الموجودة في بعض المذاهب، وليس إلى قانون يكرس التطرف المذهبي". ولديهم الآن رئيس يدرك أنه "في الوقت الذي تتحول الدول العربية إلى أنظمة ديمقراطية علينا ممارسة هذه الديموقراطية بشكل صحيح" (من خطاب لرئيس الجمهورية ميشال سليمان في جنوب لبنان – "النهار"، 19/1/2013) ويدعو إلى قوننة الزواج المدني الذي بادر إليه شاب وشابة لبنانيان (نضال درويش وخلود سكرية) أنجزا زواجاً مدنياً (غير موثق رسمياً) للمرة الأولى في لبنان.
إنها فرصة نادرة، في الحياة السياسية اللبنانية، وعلى النخب الثقافية والجامعية وقوى المجتمع اللبناني المستنيرة، وخاصة الشبان والشابات، أن تدعم الرئيس في تطلعاته التي هي تطلعاتهم، وأن تقود الرأي العام اللبناني وتحرضه على ممارسة كل أشكال النضال الوطني المشروع، ضد الأحلام الأصغر من لبنان، وأيضاً الأوهام المضخمة التي تأخذ لبنان أبعد من حدود بيئته العربية الطبيعية. معركة المحافظة على الحد الأدنى المنجز من الوحدة الوطنية والديموقراطية والحريات والسعي الدؤوب لتطويره.