الراعي في سوريا: وجهات نَظر ثلاث - شارل جبور (الجمهورية)
نجح البطريرك بشارة الراعي بتحقيق أحد الأهداف التي رفعها فور تنصيبه بطريركاً، وهو زيارة الرعية في سوريا، إلى جانب جمع القادة المسيحيين تحت سقف بكركي والنأي بالأخيرة عن الملفات الخلافية
إنقسم الرأي العام المسيحي بين فئة وضعت الزيارة في الإطار الديني، وبين فئة أخرى عارضتها من الزاوية المبدئية، وبين فئة ثالثة فضّلت غَضّ النظر على الدخول في أيّ سجال مع بكركي عشيّة انتخابات نيابية ووجود شرائح مسيحية لديها حساسية حيال أيّ مساس بهذه المرجعية.فأصحاب وجهة النظر الأولى يعتبرون أنه من الخطأ تصوير الزيارة وكأنها انتصار للنظام على الثورة، وأن عدم إتمامها يشكل انتصاراً معاكساً، فالأمور لا تقاس دائماً بميزان الربح والخسارة، خصوصاً متى كانت بعيدة عن أيّ اعتبارات سياسية ومحصورة في حدث ديني فقط لا غير.
ولا شك في أنّ مأسوية الأزمة السورية والانقسام اللبناني يدفعان باستمرار إلى تسييس أيّ قضية أو مسألة، فيما الكنيسة لا تخضع لأهواء هذا الطرف أو ذاك، وتقوم بما يُمليه عليها ضميرها، وخلاف ذلك يجعلها مكبّلة ومُقيدة ومُسيّرة. وتدعو هذه الوجهة إلى التمييز بين ما هو سياسي وغير سياسي، وتعود بالذاكرة إلى زيارة الدكتور سمير جعجع للقرداحة من أجل التعزية، وهو قام بها على قاعدة الفصل بين واجب التعزية وبين قناعاته السياسية التي قادَته إلى الاعتقال كونه لم يتنازل عن شروطه لعلاقة سليمة بين البلدين.
أما أصحاب وجهة النظر الثانية فينطلقون من التجربة التي خاضوها مع البطريرك منذ أقل من سنتين، تاريخ اعتلائه هذا المنصب، ويقولون إن هذه التجربة دَلّت الى أنّ الراعي، وبخلاف صفير، لا يعتمد سياسة ثابتة تضَعه في محور ضد آخر، إنما يفضّل التناغم مع الجميع تحت عنوان تحييد المسيحيين، وهذا لا يعني عدم إطلاقه مواقف واضحة، إنما لا بأس من تحميلها بعض الالتباس من أجل إبقاء أبواب بكركي مفتوحة أمام الجميع. ولا بدّ من التذكير أنه بعد اغتيال الشهيد وسام الحسن، أطلق الراعي مواقف عدة تحذّر من الاستهداف المتواصل للطائفة السنية وانعكاسه على خيار الاعتدال داخلها وعلى المصلحة الوطنية.
وتبقى وجهة النظر الأخيرة التي تعتبر أن هذه الزيارة الدينية ما كانت لتتمّ لولا اطمئنان البطريرك إلى وضعه داخل بيئته المسيحية، بمعنى استيعابه كل اتجاهاتها وعدم خشيته من أيّ رد فِعل يؤثر في صورته. فمعارضة شخصية من وزن العماد ميشال عون أو جعجع تنعكس سلباً عليه، وبالتالي شعوره أنه ضَمنَ "صمت" الجميع شَجّعه على هذه الزيارة، بدليل أنّ مجرد إشارته إليها بعد انتخابه كان كافياً بإثارة عاصفة من الردود، وهذا ما دفعه إلى طيّها حتى الأمس.
فالمشكلة، ودائماً وفق هذه الوجهة، لا تكمن في "دينيّة" الزيارة، إنما بمبدأ زيارة سوريا في ظلّ النظام الحالي. وهذا الموقف المبدئي كان يفترض أن يترسّخ ليس فقط نتيجة مسؤوليته عمّا أصاب المسيحيين، إنما لقيادته مواجهة ضد شعبه وفي طليعتهم السنّة، ويقبع في عزلة عربية ودولية، ويشكّل أحد العناوين الأساسية للانقسام السياسي المحلي، والأخطر أنه يعرّض المسيحيين لأخطار وجودية عبر تصويرهم وكأنهم حلفاء له ويغطونه أو يمدّونه بأقلّ تقدير بالأوكسيجين. فإذا كان أحد لا يريد تحميل المسيحيين ما لا طاقة لهم على احتماله من خلال انخراطهم بالثورة، فإنّ استغلال النظام بالمقابل خطواتهم لمآربه أمر غير مسموح.
وإذا كان حلفاء النظام السوري فضّلوا النأي بأنفسهم عنه ولو شَكلاً، فأين مصلحة المسيحيين بإعطاء إشارات ضد الأكثرية السنية بدأت مع الأرثوذكسي واستكملت بزيارة سوريا؟ وأين مصلحتهم بالوقوف على مسافة واحدة من فريق يسعى إلى الحرية وآخر يتمسّك بالديكتاتورية؟
وفي المحصلة فإنّ انتقاد الزيارة يصبّ في مصلحة المسيحيين تجنّباً لتحويل السجال إلى مسيحي-إسلامي. ومن هنا ضرورة خلق بيئة مسيحية وازنة مهمتها التعبير عن قناعات أصحابها من دون محاباة ومراعاة، فضلاً عن أنّ اجتماع المسيحيين تحت سقف واحد وعناوين مشتركة أعاد إحياء العصبية المسيحية على حساب العصبية الوطنية، ما يشكّل خطراً على دور المسيحيين الوطني.