رفيق الحريري سبق عصره ... أم هم خارج العصر؟! - مازن حايك (النهار)
تمر السنوات، ويبقى رفيق الحريري حاضراً في وجدان الوطن وحياة اللبنانيين اليومية، مقيمين ومغتربين، عبر انجازاته الوطنية والانسانية والتنموية والمعرِفية، وهو الذي كان – ويجب أن يبقى - عنواناً للتفاؤل بالمستقبل، ورمزاً لعودة الثقة، واستنهاض الدور، واستعادة الحضور في المحافل الدولية، وتحسُّن الصورة والسمعة والقدرة التنافسية، وبناء عدد من المؤسسات والأجهزة، ونمو الاقتصاد والأعمال، وتشييد الصروح والمرافق العامة... والأهم، استنباط الحلول لجعل المستحيل ممكناً، والممكن تحصيلاً حاصلاً، وإن اضطر أحياناً، في سبيل تحقيق ذلك، إلى تغليب خيار المساومة على حساب منطق الدولة. إلاّ أن رفيق الحريري يبقى في غيابه أكثر حضوراً من عدد كبير من "تجار السياسة"، وتستمر عطاءاته وانجازاته حيناً، والاخطاء أحياناً، مادة للسجال، ومصدراً للاستقطاب ما بين مؤيّد ومعارض، كأنه يخوض الانتخابات غداً، ليعود إلى الحُكم بعد غد... ربما، لأن الطاقم السياسي الذي تعاقب على الحكم من بعده، توزّع بين من استهوته "لعبة الكراسي"، ومن يُمعن في لوم الآخرين ليُبرّر التردّد والعجز والارتكاب والفشل!
نظر الشباب إلى رفيق الحريري على أنه كان "أكبر من الحياة"، وأنه "قصة نجاح" بامتياز، ومصدر الهام وتحفيز لأفكارهم الخلاّقة، ومبادراتهم الإبداعية، ومشاريعهم الحالمة، وهو الذي آمن بمعايير العلم والكفاءة والجدارة والاستحقاق، ودفع باتجاه مشاركة الشباب في الحياة العامة واقتصادات المعرفة. كان رفيق الحريري متعدّد المواهب والقدرات، بمعنى أنه كان يسمع جيداً، ويستمع ملياً، ويستشرف جلياً... ويُجيد لغة الشباب، وطموح الأرقام والأحلام، ومفاعيل التفاؤل والرؤية الثاقبة وروح القيادة وفريق العمل والقدرة على الانجاز، وميزات العروبة الحديثة المتصالحة مع العولَمة، وثقافة الاعتدال والانفتاح في وجه التطرّف والإرهاب، وقيمة العيش المشترك والمناصفة التوافقية ما بين المسيحيين والمسلمين، في مقابل النزعة المتمادية نحو التعصّب والتمذهب والتقوقع... والاقتتال.
اغتيل رفيق الحريري بفعل الجهل والحقد وجشع السلطة والإجرام ووهم الإفلات من العدالة والعقاب. ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، واللبناني ينتظر! ينتظر أن تتحقق أحلامه في أن يعيش بأمن وسلام وطمأنينة، وأن تُبنى الدولة ومؤسساتها، وأن تنحسر المآسي الإنسانية والخسائر المادية، وأن يُقلِع الأبناء عن الإحباط واليأس والهجرة، وأن يتمكّن "تجار السياسة" مجتمِعين من تحقيق ما أنجزه رفيق الحريري منفرداً، عوضاً عن امتهان السجالات والمزايدات وملء الشاشات والجيوب... من دون القلوب والعقول!
وفي الانتظار، يبقى السؤال: هل سبق رفيق الحريري عصره... أم أن "تجار السياسة" في لبنان هم خارج العصر؟!