إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

إسقاط اتفاق القاهرة تسبّب بالحرب فهل تقع الفتنة بسقوط إعلان بعبدا ؟ - اميل خوري (النهار)

بعد خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في عيد التحرير اخذ اللبنانيون علما بان هناك خطرا جديدا عليهم هو خطر الجماعات "التكفيرية" التي تحارب النظام في سوريا وتعمل على اسقاطه لتحل محله، وعندئذ لا يعود مجال لديموقراطية ولا لحرية رأي ولا قبول ولا حتى لحرية الاديان. وهذا الخطر الجديد الى جانب الخطر الاسرائيلي الدائم يبرر احتفاظ الحزب بسلاحه بعدما وجد وظيفة جديدة له هي القتال في سوريا لنصرة نظام الرئيس بشار الاسد ومنع سقوطه لئلا تستولي الجماعات التكفيرية على السلطة في سوريا ومن ثم في لبنان وفي دول اخرى في المنطقة وتحول ربيعها خريفا.
هذا التخويف من خطر الجماعات التكفيرية يذكر اللبنانيين بتخويف المسيحيين من سلاح الفلسطينيين وجعل لبنان وطنا بديلا لهم وتخويف الفلسطينيين من المسيحيين المسلحين الذين يهددون برميهم في البحر. فاندفعت الحرب في لبنان وقد تدخلت فيها جهات عدة ودامت 15 عاما ولم تتوقف الا بعد التوصل الى اتفاق الطائف الذي اجاز للقوات السورية الدخول الى لبنان واخضاعه لوصايتها بعدما فشلت كل المحاولات لوقف القتال بين اللبنانيين والفلسطينيين ولم ينفع حتى "اتفاق القاهرة" في الحفاظ على البقية الباقية من السيادة اللبنانية، لأن حملة السلاح ولا سيما غير المنضبطين منهم لا يتخلون عن سلاحهم بسهولة فيخرقون كل الاتفاقات.
ويبدو ان سلاح "حزب الله" يمر تقريبا بالمراحل نفسها التي مر بها السلاح الفلسطيني في لبنان وسلاح كل الميليشيات على اختلافها، اذ كان من الصعب نزعه منها بعدما وفر لها امتيازات ومكاسب... جعلته يخلق كل مرة وظيفة جديدة لحامليه. وكما برر الفلسطينيون في لبنان حمل السلاح بتحرير ارضهم، فإن "حزب الله" برر حمل السلاح لنفسه بتحرير ارض الجنوب المحتلة وقد نجح في ذلك، والتف جميع اللبنانيين حول مقاومته. لكن عندما ارتد سلاحه الى الداخل انقسم اللبنانيون حوله وما زالوا وصار سلاحا فئويا وغير ميثاقي.
ولم يعلن "حزب الله" ولا مرة بوضوح متى تنتهي وظيفة سلاحه، أبعد انسحاب اسرائيل من كل الاراضي اللبنانية المحتلة ام بعد انسحابها من كل الاراضي العربية بما فيها الجولان وحتى القدس ام بعد ان يتم التوصل الى تفاهم بين ايران والغرب على برنامجها النووي، الى ان وجد الحزب لسلاحه وظيفة جديدة وهي قتال التكفيريين قبل ان يتمددوا نحو لبنان، ودعم النظام السوري الممانع لاسرائيل وهو وحده النظام المقاوم في المنطقة.
واذا كان الحزب اجاز لنفسه ومن دون إذن من السلطة اللبنانية اعلان الحرب على اسرائيل في تموز 2006 ووقف الجيش والشعب معه لأن العدو واحد، فمن اجاز له ان يدخل الحرب في سوريا الى جانب طرف دون آخر، وبذريعة الخوف من انتصار الجماعات التكفيرية، فيرتد انتصارها عندئذ ليس على الحزب وحده، بل على اللبنانيين مسيحيين ومسلمين.
هذا المنطق لم يقنع الكثير من اللبنانيين لأنهم يعتبرون ان لا دخل لهم في ما يجري عند غيرهم لئلا يصبح من حقهم التدخل في ما يجري في لبنان، عدا ان هذا التدخل يجر على لبنان الويلات التي ذاق منها الامرين. واذا كان من حق "حزب الله" ان يتدخل في الحرب السورية الى جانب طرف فإنه يصبح من حق طرف لبناني آخر التدخل الى جانب طرف سوري آخر فيكون لبنان قد خرج عندئذ عن حياده الذي تقرر في هيئة الحوار الوطني في القصر الجمهوري وعرف بـ"اعلان بعبدا". والحياد يعني عدم التدخل في شؤون الدول الاخرى وعدم الانحياز لاي محور من المحاور لئلا يثير الخلافات والانقسامات كما هو حاصل الآن. واذا كان "حزب الله" يرى مبررا لتدخله في سوريا فإن حزبا آخر قد يرى ايضا مبررا لتدخله وليت هذا التدخل يقف عند حد في سوريا، بل ينتقل الى لبنان ويشعل حربا فيه بين اللبنانيين المنقسمين على انفسهم حيال الوضع في سوريا. واذا كان "حزب الله" يعتقد أنه يحمي الداخل اللبناني من خطر احتمال سيطرة الجماعات التكفيرية فمن يحمي هذا الداخل من هذه الجماعات اذا انتصرت في سوريا ويكون الحزب هو السبب وهو الذي يكون قد جاء بدب "التكفيريين" الى كرم لبنان.
ان "حزب الله" بتدخله في الحرب في سوريا اسقط "اعلان بعبدا"، كما اسقطت التنظيمات الفلسطينية في الماضي "اتفاق القاهرة"، فكانت الحروب في لبنان. وكما اسقط اللبنانيون من قبل دعوة ميثاق 43 الى عدم الانحياز "لا لشرق ولا لغرب" فأدى ذلك الى جعل لبنان ساحة مفتوحة لصراعات المحاور وتصفية الحسابات، فدفع ثمن ذلك غاليا من استقلاله وسيادته وحريته واقتصاده.
لذلك لا خلاص للبنان ولا حماية لحدوده وكيانه ولا صون لاستقلاله وسيادته وحريته الا بالحياد الايجابي الذي تقرر في هيئة الحوار في بعبدا. وما على القيادات سوى الاجتماع للبحث في تفاصيل هذا الحياد واي نوع منه يلائم تركيبة لبنان، فهو السبيل الوحيد لمنع ارتدادات ما يحصل في سوريا والمنطقة.

 

← العودة إلى مختارات