من يزرع الأفيون يحصد الترنّح - سمير عطالله (النهار)
ثمة متعة غامضة في قراءة كارل ماركس الآن. سوف يبدو لك أحياناً فصلاً من هوميروس يقارع الآلهة، وأحياناً فصلاً من دون كيشوت يبارز الطواحين. ولكن في كل الحالات سوف يبدو أديباً ومفكراً بلا أثر، لا يخيف أحداً. نسختي الأخيرة من "الرأسمال" وجدتها في بلد كان يمنع ذكر ماركس، عندما كان نحو مليار إنسان يدّعون أنهم يبدأون نهارهم مستضيئين بشمسه، وليس بشمس الخالق الذي أنكره.
يقول مثل شعبي إنكليزي، "المغني، لا الأغنية". سوف يجد فرانك سيناترا مليون مصفق ولو ردد نصف ساعة "ترالالالا". اعطِ الصحراء لرافاييل، وسوف يعثر على غصن أخضر وعصفور أحمر الرأس يضعهما على الرمل. المشكلة في الأحزاب عبر التاريخ لم تكن في النص بل في التأويل. بقعة الثورة الفرنسية لم تكن مفكريها بل فظاظة روبسبيير. ولا تترك مكاناً للوسطيين. حاول ميرابو ذلك في البداية فتحوّل العقل إلى تهمة والشعور إلى خيانة ولم يعد يعلو صوت على صوت وقع المقصلة!
السؤال ساذج لكنه مغرٍ. ماذا لو بدأت التجربة، أو الاختبار، الماركسية في غير روسيا، وتوافر لها رجل غير لينين والرفاق؟ سؤال ساذج، لأن الجواب بديهي: هل كانت فرنسا أكثر رحمة أم ألمانيا النازية أم إيطاليا موسوليني؟ ومع هذا فإن ما حلّ بكارل ماركس، الآتي من بلد الفلاسفة ويونان القرن العشرين، كان فظيعاً. المساواة التي بشَّر بها تحوّلت إلى مجموعة حاكمة ومستبدة. الفرص التي دعا إليها تحولت إلى إعدامات. الحريات تحوّلت إلى انتخابات يفوز فيها "الرفيق" ستالين بنسبة مائة في المئة عام 1937، قبل عقدين من الرقم العربي 99،999% وخمسة من عودة صدام حسين إلى الرقم المفضل: 100%.
عندما انهار الاتحاد السوفياتي وعاد الرفاق اللينينيون كلٌّ إلى دياره، عاد إسلام كاريموف إلى أوزبكستان وصار عاملاً عليها. رأى في بلده ثروة واحدة هي القطن، فسخَّر العمال بها. وضاق العمال بالسخرة فأجبر تلامذة المدارس على قطاف القطن كل خريف. 2,7 مليونان يعملان شهرين كل سنة عند كاريموف وابنته. التي سوف تخلفه في حكم الأوزبك ومواسمها.
ترك الرفيق كاريموف كل ما تعلَّم وعلَّم من ماركس، لقرّاء الأدب والتاريخ، مثل جنابكم ومثلي، وذهب يحصد قطن البلاد فيما تقطف ابنته مواسم الشاي. نسي الرفيق المؤسس كارل، أن يشدّد في معركته مع الله، على الحرية والرحمة. وقد تقول وماذا نفعت تعاليم الرحمة في القياصرة والأباطرة؟ نفعت عندما تحولت الرحمة والحرية إلى قانون أرضي، وتوزّع المبدأ على جملة بنود وفقرات. لم ينقل القانون الجنة إلى الأرض، لكنه خفّف آثار الميول الشيطانية عليها.
عدت من نيويورك بعد شهور فوجدت بريداً متراكماً: كتباً ورسائل وبطاقات ودعوات مضى زمنها. وأجمل ما فيها كان بطاقة معايدة بالميلاد الماضي ومعها كتاب صغير أبيض الغلاف عنوانه "الدستور اللبناني".
مَن المرسِل؟ لا يمكن أن يكون أحد سواه: حسين الحسيني. الرجل الذي آمن أن للبنان حارساً واحداً وخلاصاً واحدا، هو هذا الكتاب المدني. وأما الكتب السماوية فلكي بها يعبدون. هل تخطر لك هدية أرقّ وأرقى؟ "المغني لا الأغنية". التأويل اقتضاء الايمان، لا اقتضاء الفتنة، كما حذرت الآية.
في الحقيقة، على رغم الوَله الدستوري، كنت مع تأجيل الانتخابات. أنا مع أي تأجيل للعنف والصدام والمواجهة وذرّ ما تبقّى من الدولة على أقدام السياسيين. لكنني أيضاً كنت أتمنى أن نتواطأ في المحافظة على المظاهر. نتظاهر بأننا شعب يحترم مؤسساته ومواثيقه والتزاماته في سلوك الدول. أو يتذكرها.
لم يكن فرانكلين روزفلت خطيباً مثل فلاديمير لينين. ولا كان مُنظِّراً وأديباً مثل ماركس. وعندما فاز بالرئاسة الأميركية حصل فقط على 57% من الأصوات. أي دون ذلك الغمر الذي قوبل به الرفيق ستالين، بمن فيهم سجناء سيبيريا. لكن روزفلت الذي أنقذ أميركا من عويل الاقتصاد ثم عويل الحرب، أنقذها أولاً بالمحافظة على مؤسساتها، معلناً أن الدولة عبارة عن عربة تجرّها ثلاثة خيول: الكونغرس والهيئة التنفيذية والمحاكم. قال يومها إن المحكمة العليا معتلّة فالعربة لن تتحرك. المجلس الدستوري هيئة رمزية، ونحن لا عربة ولا خيول في أي حال. على الأقل من أجل الصورة التذكارية. فليجتمع وينقسم. يجتمع ويمتنع. يقبل الطعن الرئاسي من حيث المبدأ ثم يرفضه من حيث الضرورات. "ببكي وبروح" كان يقول شارل حلو عندما يستحيل الرفض والقبول. أما أن يعجز المجلس عن العثور على فتوى فلماذا؟ هل هو المجلس العدلي الذي تُحال عليه قضايا القتل المنسي؟ أم هو المجلس الاقتصادي زينة المجالس؟
كانت بيروت أهم مدارس الرومان، كما يقول المحامي إميل بجاني في كتابه الشيّق "مدرسة بيروت للحقوق" (دار "النهار"). وكانت جامعاتها قبل جامعات أوروبا بألف عام. وما دامت الآثار الرومانية معروضة للبيع الآن فعلى الأقل استبقاء الذكرى والتقاليد. الشكل لا أكثر. تعا ولا تجي! صرنا نتحدث الآن مثل أولئك الوجهاء الذين عرفناهم بعدما "حطّ بهم الدهر" فلم يعودوا يملكون سوى القنباز القديم و"الروب دو شامبر" العتيق و"البوشيت" المكوية و"بزّ السيجارة" المذهَّب (لا أدري من أين أصل الاسم) أو الطربوش النبيذي المائلة شرّابته إلى الشمال. كانوا يحافظون عليها كآخر علاقة بالأمس المتهالك، ويريدون أن يوحوا إلى الأجيال الجديدة أنهم كانوا ذات يوم شيوخ الشباب، وليس شيوخ الشيخوخة، التي دهمت عليهم البيت والحي والمقهى، فيما ألغت الموضة الجديدة أصول الوجاهة وغيّرت معالم العزّ إلى ربطة عنق.
كم هي جوهرية مسألة "المغني لا الأغنية". استخدم الدكتور محمد مرسي في خطاب السنة (سنة أولى رئاسة) بعض التعابير البلدية مثل عبدالناصر، وبعض تعابير التهديد (حافْرمهُم) مثل أنور السادات، وكانت الخلاصة أنه تحدّث مثل محمد مرسي! الثورة التي جاء باسمها لا علاقة لها بالثورة التي حكم باسمها. وصل على متن أجنحة الانترنت لكنه عيَّن على أسوان محافظاً يؤمن بوجوب إزالة الآثار الفرعونية كما أزال شباب طالبان تماثيل بوذا. جاء مرسي باسم الحريات ووحدة مصر وإنقاذ الاقتصاد وفي خلال سنة لم يبق منها شيء. بدل أن يُعطي مصر حكومة في مستواها وفي عمق تحدياتها، أعطاها الدكتور هشام قنديل، الذي يستقبله السيد الرئيس خلف مكتبه، وكأن القنديل عامل طوبوغراف عند الباشمهندس السابق. كان عبدالناصر يخطب فينسى المصريون بطونهم الخاوية. وعندما حدَّثهم عن هزيمته صفّقوا لها وكأنها انتصار. وإذ خاطبهم مرسي طفقوا يهتفون، ارحل!
"امضِ قيس امضِ، هل جئت تطلب ناراً أم جئت تشعل البيت نارا؟". مأساة العالم العربي وصول الهواة إلى دفّة المصائر وفي أحرج المراحل. السفينة في النوّ والقبطان لا يعرف عنها شيئاً سوى أنها مُلكه. هي وركابها وحمولتها والأجنّة في بطون الحوامل اللاتي عليها.
قال مرسي يخاطب 90 مليون مصري: "لقد أصبت وأخطأت". كأنما الاعتراف بالفشل يبرّره ويجعله انجازاً. من يخطئ يودِّع الناس، ويستودع وطنه كمسؤول خليق بإدارة البلد. أخطاء مرسي كانت كلها من النوع الذي لا يُسامَح. في أقل من سنة كانت مصر قد فقدت خزانتها من المال والغذاء وتلقّت عرضاً من قطر بشراء إدارة قناة السويس التي استعادها عبدالناصر بحرب شبه عالمية. لم يحدث – قبل هذه الرئاسة – أن استعادت الدولة جنوداً مخطوفين، استقبلهم السيد الرئيس على درج الطائرة في مشهد مسرحي، من غير أن يقول للمصريين مَن خطفهم وكيف ومَن فاوض عليهم. لا أعرف ماذا كان شعور 90 مليون مصري.
من هؤلاء هناك 40% أمّيون، وفقاً لحمدين صباحي. وهناك 50% في حاجة أو صعوبة. هل تكفي هواية مرسي في الحكم، وتدرّب هشام قنديل لإدارة مصر؟ مشكلة الرئيس العربي ومأساة الشعب العربي، أن لا وجود للمؤسسات. وما كان قد بقي منها في مصر، أهلكه رجل لم يشغل منصبا إدارياً قبل أن يصل مباشرة إلى الرئاسة.
كانوا يأتون من دون أي خبرة أو معرفة أو تأهيل، من الثكن، فصاروا يأتون من الأحزاب. أوصلت الديموقراطية في مصر رجلاً يحتقر ويزدري الحكم المدني ويعتبره من الشيطان. ما أن انتُخب حتى اعتبر أنه تملّك، وأنه صارت له وكالتان، إلهية يضمنها المرشد، وأرضية قدّمها الناخبون...
مع هاتين الولايتين كيف يمكن تذكير السيد الرئيس بأن السنة الأولى كانت فيها خسائر 20 سنة.
يُفهم من خطاب مرسي بالبلدي والنحوي، أنه يحقّ للهواة التدرّب في الرئاسة. أصبنا وأخطأنا. مش عاجبكم هشام قنديل، طيب أهُوه، امشِ يا عمّ هشام. مش كويس اقترض من قطر 7 مليارات، نروح بقى البنك الدولي. هل هذه مصر التي قلبت الشرق الأوسط كي لا تذلّها أميركا في تمويل السد العالي؟
"المغني لا الأغنية". لكي يعمل المرء بائعاً في شركة يجب أن يعدّد خبرته ومن يوصي به. لا يجوز المطالبة بخروج مرسي المنتخب ديموقراطياً، ولكن ماذا سيحدث للديموقراطية معه؟ وماذا سيحدث لمصر التي خرجت دفعة واحدة إلى الميادين؟ لم يدرك الحاكم العربي بعد أن مخدّر الشعوب انتهى مفعوله. ليس الدين أفيون الشعوب، كما قال العزيز كارل، كارل ماركس، وإنما الأفيون في تحويل الرجال إلى آلهة، والشعوب إلى هتّافين.
لم تعد الشعوب تقبل خطباً وطقّ حنك: "أصبنا وأخطأنا". أنا اقترعت لقدرتك لا لجهلك ولا لتكون صاحب مختبر. لو كانت في الديموقراطية العربية مؤسسات لكانت هي من ينظر في هذه السنة الكارثية ويُحاسب ويُقرر. لكن الرجل الواحد ألغى كل مؤسسة، فصار الحكم في الشارع، وكذلك الاحتكام.