الأمن الذاتي» في الضاحية يقلق المسيحيين دوائر فاتيكانية تتخوف من تفجير البلد - دنيز عطالله حداد (السفير)
اعتاد اللبنانيون تعليق أزماتهم على مشاجب الآخرين. كل الدول متآمرة ومتواطئة على أمنهم واقتصادهم وسياحتهم وصيغتهم الفريدة.. إلا هم. كل العالم يتحين فرصة الانقضاض على البلد وتفتيته.. إلا هم. وها هي الأزمة السورية، بعد الوصاية السورية، السبب الوحيد لكل المآسي والمشكلات. فهل صحيح ان أزماتنا مفروضة علينا ومستوردة؟ هل صحيح أن أبواب الحلول السياسية باتت مقفلة وأن مفاتيحها ألقيت في بئر الصراعات الإقليمية العميقة؟ هل بات محسوما أن الآتي علينا أعظم وأكثر عنفا مما مضى؟
ترسم شخصية سياسية مستقلة صورة قاتمة للمرحلة الآتية، وتؤكد ان «نظامنا أثبت عقمه وفشله. تحول فقط الى ولاّدة حروب وأزمات وارتهانات متواصلة للخارج. وفي ظل الأزمة السورية التي فجرت ما تبقى من حد أدنى من التوافقات الوطنية التي يمكن البناء عليها، نحن سائرون الى الانخراط في موجة عنف ووصلة من حفلات الجنون اللبنانية المكررة والقاتلة».
هذا التشاؤم في القراءة يتقاسمه السياسي مع مسؤول كنسي يعتبر بدوره أننا «تجاوزنا الخطوط الحمراء في الحفاظ على الاستقرار اللبناني. اننا نحصد ما زرعه السياسيون، ويواصلون زرعه، من تحريض وشحن وتعبئة طائفية، لا تمت الى أي دين بصلة. لقد دخلنا فعلا مرحلة الخطر. وأصدقاء لبنان الحريصون على استقراره، وفي طليعتهم الدوائر البابوية في الفاتيكان، تحذر من تفجير البلد والقضاء على آخر ما تبقى من رسالته ودوره. فلسنا بأي حال من الأحوال مكرهين على خوض الصراع عن الآخرين أو عندهم. في حين نكاد لا نتمكن من إدارة صراعاتنا والتخفيف منها».
يوافق السياسي كلام رجل الدين، «فنحن لم نكن يوما على قدر المسؤولية. لم نحظ برجال دولة ومؤسسات إلا في حالات استثنائية ونادرة. نحن صنّاع أزماتنا وصراعاتنا وخلافاتنا. نحن اخترنا، عن وعي أو عن غير وعي، أن ننساق الى غرائزنا الطائفية، وأن ننصاع للرغبات الخارجية تحت أعذار متنوعة جوهرها استقواء فئة أو طائفة على اخرى بعضلات خارجية. وكل ما يردده معظم السياسيين كلام ببغائي عن التضامن والعيش المشترك وتجاوز الانقسامات».
يكشف السياسي كلاماً أصبح شبه معمم عن «تخوف دول غربية من إصرار اللبنانيين على جر بلدهم الى صراعات المنطقة، خصوصا لجهة استدراج كل العنف والصراع المتمادي في سوريا. فلا أحد يمكنه الادعاء أنه بريء. ما يقال على المنابر يتناقض تماما مع سلوكيات كل الأطراف السياسية».
يتوقف السياسي بحذر عند انتشار «الأمن الذاتي» على مداخل الضاحية. يقول «خوف أهل الضاحية وحزب الله مبرر ومشروع، تماما كما حماية النفس والدفاع عنها. غير أن مظاهر الأمن الذاتي ووقوف مدنيين مع شارات تميزهم، أو من دونها، الى جانب الاجهزة الامنية الرسمية، أو أمامها أو خلفها بخطوات، أمر غير مقبول. لا يجوز أن يتم فتح هذا الباب. فما الذي يمنع غدا مناطق ذات أغلبية سنية أو مسيحية من أن تفرز أمنها الذاتي تحت أعذار الاستهداف؟ من استهدف الضاحية الجنوبية مستعد لاستهداف كل المناطق، وعلى الأرجح راغب بذلك. لذا، ومن موقع الحرص على المقاومة، لا بد من ترتيبات سريعة تقدم حضور الأجهزة الامنية على ما عداها من الأجهزة والقوى الاخرى».
لا ينطلق المسؤول الكنسي، ربما، من الحرص نفسه لكنه يشارك السياسي القلق من «ظاهرة مشاركة الجيش والقوى الأمنية في إجراء مداهمات أو توقيفات أو حواجز في أي منطقة كانت من لبنان. هذا أمر غير مقبول وفق أي معيار أو منظار». يضيف «الدولة مسؤولة عن أمن الناس. وعلى الجميع، أفرادا وأحزابا، التعاون معها كل بحسب قدراته. لكن لا يجوز تحت أي عذر أو مسمى أن يكون لها شريك في حفظ الاستقرار. جميع الناس مهددة، والخوف بات عاما، لكننا يجب ألا نسمح بمظاهر تزيد من اهتزاز هيبة الدولة ومؤسساتها». ويختم المسؤول الكنسي مؤكدا ان «المسيحيين على اختلاف توجهاتهم السياسية، وحتى أكثرهم تأييدا وتفهما وتضامنا مع حزب الله لا يستطيعون تقبل مشهد الأمن الذاتي والانتشار المسلح وغير المسلح للحزب على مداخل الضاحية وفي أحيائها. فنحن لدينا ضعف خاص تجاه المؤسسات الأمنية الشرعية وهو ضعف نتمنى أن تشمل عدواه سائر الطوائف».