مبادرة بري في ميزان قوى ١٤ آذار: انتقاص من صلاحية الحكومة والقرار ١٧٠١ ولادة قريبة تكسر المراوحة وتحصّن الجبهة الداخلية في مواجهة الضربة الأميركية - سابين عويس (النهار)
ليس قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما رهن الضربة العسكرية لسوريا بموافقة الكونغرس الا مزيدا من حال المراوحة التي تلقي بثقلها على المشهد الداخلي تسعة ايام إضافية، وتزيد التعقيدات في ظل تصلب فريقي الصراع المحلي ورهاناتهما المتناقضة حيال الضربة الاميركية وتأثيرها في النظام السوري بداية ولبنان ثانيا.
واذا كان رئيس المجلس نبيه بري حاول من خلال المبادرة التي طرحها في ذكرى تغييب الامام الصدر خرق حال الجمود التي تكتنف المشهد السياسي، فإن مبادرته لم تقدم جديدا وفق قراءة مراجع سياسية بارزة. ذلك ان بري، بحسب المراجع، لم يأت بمعطى قابل للنقاش او الترجمة لأنه انطلق من عناصر غير قابلة للنجاح. وتدعم المراجع قراءتها هذه بمجموعة من الملاحظات:
- الرئيس بري ارفق مبادرته بتأكيده ان لا سلاح شرعياً خارج الجيش وسلاح المقاومة في الجنوب. وهذه نقطة خلافية جوهرية بالنسبة الى فريق 14 آذار الذي يتمسك بمبدأ آحادية السلاح في يد الدولة، فضلا عن ان اعتبار سلاح المقاومة في الجنوب مخالف للقرار الدولي ١٧٠١.
- المأخذ الاساسي لهذا الفريق بعد 7 أيار ان "حزب الله" وجه سلاحه المقاوم في إتجاه اللبنانيين في الداخل وليس في إتجاه العدو الاسرائيلي، فهل يوافق الحزب اليوم على ما يطرحه حليفه في شأن منح الجيش الحق في تطويع ٥ آلاف عنصر لإنقاذ البقاع وطرابلس وكل الحدود الشمالية من فوضى السلاح والمسلحين؟ او ان ثمة استنسابية في شأن تحديد اصحاب هذا السلاح؟
هذا الامر يقود المراجع الى النقطة الثالثة والاهم في رأيها، والمتعلقة بالاستراتيجية الدفاعية التي اذا تم التوافق عليها وعلى تحديد إمرة السلاح في يد الجيش والدولة، فلا يعود مهماً اين يكون هذا السلاح ما دامت إمرته في يد السلطة الشرعية المخولة استعمال السلاح للدفاع عن اللبنانيين في وجه أعداء الداخل
والحدود.
- اما بالنسبة الى دعوة رئيس المجلس لرئيس الجمهورية الى مباشرة حوار على الفور للبحث في شكل الحكومة الجديدة وبيانها، فترى المراجع ان رئيس الجمهورية كان سباقا في دعواته الملحة والمتكررة الى الحوار. وما على الرئيس بري والفريق الذي يمثل الا ان يبادرا الى استجابة هذه الدعوة. علماً ان لقوى 14 آذار موقفاً واضحاً من الحوار وربطه بالحكومة، إذ لا يزال هذا الفريق متمسكا بموقفه الداعي الى تشكيل الحكومة اولا ومن ثم التوجه الى طاولة الحوار، انطلاقا من احترامها لدور الحكومة ومهماتها وصلاحياتها في هذا الشأن.
- وتسأل المراجع الرئيس بري انطلاقا من حرصه على احترام الدستور، الا تشكل دعوته الى البحث في شكل الحكومة وبيانها الوزاري انتقاصا من صلاحيات رئيس الحكومة المكلف ودوره في تشكيل حكومته؟ وتسأل المراجع أيضاً: هل الخلوة الحوارية هي التي تؤلف الحكومة او الرئيس المكلف؟ هل يريد الرئيس بري تشكيل الحكومة وإعداد بيانها الوزاري وتسليمها في ما بعد الى الرئيس المكلف ليحملها الى رئيس الجمهورية؟
لا يعول الوسط السياسي على مبادرة رئيس المجلس وإن كانت تحمل في ثناياها حرصا على خرق المشهد المأزوم ومحاولة لكسر الجدار وفتح ثغرة، لكن التجربة الاخيرة لبري في هذا المجال لم تكن مشجعة خصوصا بعدما أبرزت رفضا من حليفه في الثنائية
الشيعية.
فعندما نعى بري تحالف ٨ آذار وتحدث عن فصل التفاوض في الشأن الحكومي عن الحليف المسيحي رئيس "تكتل التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون، لم تدم المبادرة يوما واضحا بعد رد الحزب مباشرة انه وحليفه المسيحي صوت واحد، فإما يدخلان معا الى الحكومة واما لا حكومة. وقد ترك هذا الرد خيبة لدى رئيس المجلس واعتكافا عن المبادرات وإجازة عن الكلام، فيما استمر في موقفه من الثلث المعطل.
هذا لا يعني في رأي مصادر سياسية مواكبة بقاء الامور على ما هي. فلا يمكن ان تستمر البلاد في حال المراوحة في إنتظار ما سيحمل التاسع من أيلول من ارتدادات في لبنان بقطع النظر عما ستكون عليه الضربة العسكرية لسوريا وحجمها وردود الفعل عليها.
وفي رأي المصادر ان المهلة الفاصلة عن هذا التاريخ تتطلب تحصين الوضع الداخلي بسلطة سياسية قادرة على تحمل مسؤولية الارتدادات المحتملة، ومواجهتها بموقف رسمي قادر على اتخاذ الإجراءات وتنفيذها. وهذا يعني ان الرئيس المكلف مدعو الى الإقدام على تأليف حكومته.
وعلم في السياق، ان حركة الاتصالات التي تكثفت بعد مبادرة رئيس الجمهورية في اتجاه حكومة جامعة لا تزال على وتيرتها القوية من خلال الموفدين على خط بعبدا والمصيطبة والمختارة، كما انها نشطت على خط "تيار المستقبل" وحلفائه في قوى ١٤ آذار. ولم تستبعد المصادر ان تثمر هذه الحركة ولادة حكومة خلال الايام المقبلة.