إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الإضراب الذي عبر - غسان العياش - (السفير)

 شمولية الإضراب الذي دعت إليه ونفذته الهيئات الاقتصادية تعبّر عن استهجان المجتمع الاقتصادي واستنكاره للعراقيل التي توضع أمام تشكيل الحكومة الجديدة. وقوّة الإضراب هذه المرّة تستمدّ من الإجماع على أحقيته ومشروعية مطلبه المركزي، أي الإسراع بتشكيل الحكومة، ومن الدعم النقابي، الذي قلما توفر لإضراب نظمه أرباب العمل.
ولكن يخشى أن يكون يوم الإضراب الشامل قد عبر، وعبرت معه آثاره ومفاعيله. فمن المفارقات اللبنانية الفاقعة أن لبنان، الذي يقدّس الليبرالية وحرية التجارة والمبادرة الفردية، لا تمثل فيه الهيئات الاقتصادية ثقلاً وازناً في الحياة السياسية، لأن الأرجحية هي للعصبيات الطائفية والعائلية التي تفرز النفوذ والسلطة. في بلد ميّز نفسه وثبّت وجوده بفضل نجاحه الاقتصادي. فعلى ما فيه من مشكلات، تبقى السياسة فيه أهمّ من الاقتصاد.
من الصعب أن يفهم المراقب المتجرّد هذا الكم من الشروط السياسية التي تكبّل حركة الرئيس المكلف، وتمنعه من إنجاز مهمّته بالسرعة التي تقتضيها الظروف. لقد بلغ الاقتصاد اللبناني مشارف الاختناق، وتتردّى يوماً فيوماً الشروط الاجتماعية التي تعيشها أكثرية اللبنانيين، من دون أن نتطرق إلى المخاطر الأمنية والسياسية التي تتصاعد بالتزامن مع تفاقم الصراع في المشرق العربي.
إن وجود الحكومة في الدولة الحديثة ليس مجرد ترف، بل هو ضرورة ماسّة لإرساء إدارة فاعلة وفعّالة للمجتمع، تتصدّى للمشكلات الاقتصادية وتساعد على النموّ وتسعى إلى تأمين أكبر قدر من التوازن الاجتماعي، وتعبّد الطريق أمام حياة أفضل للأجيال المقبلة.
وإذا كان وجود الدولة، عبر الحكومة والمؤسّسات الدستورية، هو هدف بالمطلق، فإنه يكتسب أهمّية أكبر في الحالة اللبنانية، في ظلال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
لقد أظهرت مؤشرات النصف الأول من العام الجاري أن النشاط الاقتصادي مستمرّ في تراجعه، بعد أن كان العام الماضي حافلا بالأرقام والنتائج السلبية، بما يجعل الاقتصاد اللبناني أمام خطر الجمود، الذي يصعب الخروج منه قبل سنوات.
هناك تراجع واضح في الاستثمار الخاص، الداخلي والخارجي، وتقلص في إنفاق العملاء الاقتصاديين، وقد عكس استقرار الواردات عند المستوى الذي كانت عليه في العام الماضي نوعاً من الجمود الناجم عن الظروف المضطربة في لبنان ومحيطه الإقليمي.
تزخر النشرة الاقتصادية الشهرية لجمعية مصارف لبنان بالعديد من المؤشرات التي تدلّ على عمق الأزمة القائمة. على سبيل المثال لا الحصر، تراجعت رخص البناء في النصف الأول من العام بنسبة 17%، وانخفضت الواردات حوالي 1%، وكان نموّ التسليفات المصرفية أقلّ من نموّ الودائع، ما يعكس تقلصاً في فرص التسليف. وبرغم الحجم المحدود لسوق بيروت المالية، فمن اللافت أن قيمة الأسهم المتداولة في حزيران الماضي بلغت حوالي نصف قيمة الأسهم المتداولة في حزيران 2012. ووفقاً لمصادر أخرى شهدت المرحلة المنصرمة من العام الجاري هبوطاً في قيمة المبيعات العقارية وإنتاج الكهرباء وعدد السياح.
وأخطر انعكاس لتردّي الوضع الحكومي أن تدهور المالية العامّة مستمر منذ عامين، بعد أن شهدت مالية الدولة فترة من التحسّن الملحوظ في السنوات السابقة. سجلت مؤشرات المالية العامّة كلها تراجعاً متسارعاً، فتجاوز العجز في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام العجز المسجل في الفترة المماثلة من العام الماضي بما يزيد عن 400 مليون دولار، وانتقل الرصيد الأوّلي من فائض في نفس الفترة من العام الماضي إلى عجز بمبلغ 270 مليون دولار في الثلث الأول من هذا العام.
هل يفيد إضراب الهيئات الاقتصادية، المتزامن مع نشر هذه المعطيات والنتائج، في إحداث الهزة المطلوبة في المجتمع السياسي؟
لقد أوهمتنا الثقافة اليسارية التي انتشرت في زمن مضى بأن «الطغمة المالية» هي التي تحكم لبنان، وقد تبيّن أن هذه المقولة مستوردة ومضللة. ويمكن أن يقودنا الجدل الأيديولجي إلى مفاضلة بين سيطرة المال وسيطرة العصبيات التقليدية في لبنان، ولكنه يبقى مجرد جدال عقيم. فالعبرة والقاعدة، أن اللبنانيين لا تحدّد توجهاتهم مصالحهم الاقتصادية، بل انتماءاتهم الموروثة.
والنتيجة في حالتنا الراهنة، أن الظروف السياسية القائمة، والمدمّرة للاقتصاد، يمكن أن تستمرّ، بحماية أكثر المتضرّرين منها، أي عامّة الناس، وفي طليعتهم الشرائح الأكثر فقراً.

← العودة إلى مختارات