كيف وضعت إيران أوباما في خانة "كش ملك" - فؤاد عجمي (النهار)
"الأمور مقلوبة رأساً على عقب. أشعر وكأننا عبرنا إلى الجانب الآخر من المرآة وننظر إلى العالم بالمقلوب"، هذا ما كتبه مؤرّخ عسكري متخصّص في تاريخ الشرق الأوسط الحديث في رسالة وجّهها إلي أخيراً عن الديبلوماسية المحمومة حول سوريا وإيران. ثم أضاف "أين اختفى كل الواقعيين؟ وكأن الحرب الباردة لم تحصل قط".
انقلب منطق الأمور المألوفة رأساً على عقب. وصل الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وقد سبقته إلى هناك حملة دعائية لامعة. فقد أجرت قناة "إن بي سي" مقابلة معه، وبواسطة إحدى مراسلاتها من الفريق النسائي. ونشرت صحيفة "الواشنطن بوست" مقالاً موقَّعاً باسمه. ووجّه وزير خارجيته، محمد جواد ظريف، عبر "تويتر" التهانئ إلى اليهود في مختلف أنحاء العالم لمناسبة حلول رأس السنة اليهودية.
تقدّم الرئيس الإيراني خطوات نحو الأمام في اللحظة الحاسمة، فيما كانت إدارة أوباما تترنّح تحت وطأة الهزيمة التي منيت بها سياستها في الملف السوري. سبق أن اختبرنا حالة مماثلة مع الفرقة الموهوبة والمتصلّبة التي تحكم الثيوقراطية الإيرانية.
فقد انتُخِب محمد خاتمي، رجل الدين الجذّاب ذو الابتسامة الآسرة، المتعلّم والمثقّف الذي ينادي بمفهوم "حوار الحضارات"، رئيساً على إيران إثر تحقيقه فوزاً كاسحاً عام 1997؛ وأعيد انتخابه بعد أربع سنوات. عُلِّقت آمال كبيرة عليه. ألقى خطاباً في كاتدرائية واشنطن الوطنية، واعتُبِر صعوده في جهتَي الأطلسي بأنه دليل على أفول ثورة آية الله روح الله الخميني التي انطلقت عام 1979.
لكن الآمال التي عُلِّقت على خاتمي ضاعت هباء. فقد واصلت إيران تطبيق برنامجها النووي، والسعي إلى تعزيز نفوذها في الدول المجاورة. وفي الداخل، سُحِقت ثورة الطلاب التي حرّكتها مشاعر ليبرالية واضحة عام 1999، بقسوة لا ترحَم.
تكرار تجربة خاتمي
كان خاتمي إما رجلاً مغلوباً على أمره لم يستطع الدفاع عن تيّاره وإما ابناً مخلصاً لمنظومة الخميني منحته القوى القائمة في النظام هامشاً من حرية التحرك. لم يكن بإمكانه تحدّي المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، أو مواجهة الحرس الثوري الإيراني.
ثمة من يقولون الآن إن روحاني ليس مطلق اليد، وإنه لاعب أساسي في النظام، وإنّ غصن الزيتون الذي يحمله بيده يحظى بموافقة المرشد الأعلى نفسه. يتابع هؤلاء أن النظام تعرّض للإذلال والتراجع بسبب العقوبات الشديدة المفروضة على إيران، وأنه بات يدرك نقاط ضعفه. تنطوي وجهة النظر هذه على شوائب خطيرة وواضحة.
أول هذه الشوائب تجاهُل سيرة روحاني الذاتية. فبحسب ما أورده سهراب الأحمري في صحيفة "وول ستريت جورنال"، قاد روحاني الذي كان أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران طوال 16 عاماً، اعتباراً من عام 1989 "حملة القمع ضد انتفاضة الطلاب عام 1999، وساعد النظام على الإفلات من التدقيق الغربي في برنامج الأسلحة النووية".
في الواقع، كان روحاني بين عامَي 2003 و2005، كبير المفاوضين الإيرانيين حول البرنامج النووي. وبوحي من ونستون تشرشل الذي أعلن ذات مرّة أنه لم يصبح وزير الملك الأول كي يشرف على زوال الأمبراطورية، يمكن القول بأن روحاني لم يتسلّم سدة الرئاسة في إيران للتخلّي عن إمكانات النظام النووية.
تأكيد إدارة أوباما وجوقتها بأن الرياح تهبّ الآن بعكس ما تشتهيه سفن الثيوقراطية لا أساس له من الصحة. تخوض إيران حرباً بالوكالة مع الولايات المتحدة حول المسألة السورية، ويمكن القول بأنها حقّقت الغلبة في هذا السياق.
لم يسقط نظام بشار الأسد؛ فعندما أحدق الخطر بالنظام الديكتاتوري في سوريا، أرسلت إيران مقاتلين من ميليشيات "حزب الله" لخوض الحرب هناك. وقد تمكّنوا، مع الحرس الثوري الإيراني، من قلب مسار الحرب لمصلحة الأسد.
إنقاذ سوريا
شاهد المرشد الأعلى وضباطه قائداً أميركياً يرسم "خطاً أحمر" في سوريا، ليعود فيتراجع في اللحظة الحاسمة. أسياد الشطرنج - أليسوا هم من اخترعوا اللعبة؟ - أدركوا تماماً المعضلة التي يواجهها أوباما.
وصلت الصفاقة بروحاني إلى حدّ ذرف دموع التماسيح على سوريا في مقاله في صحيفة "الواشنطن بوست"، حيث وصفها بـ"جوهرة الحضارة" التي تحوّلت "مسرحاً للعنف الذي ينفطر له الفؤاد، بما في ذلك الهجمات بالأسلحة الكيميائية". لا شك في أنه يعلم أن الحرس الثوري و"حزب الله"، ذراعه اللبناني، يقفان خلف جزء كبير جداً من هذا العنف.
ليس لدى الأئمة الإيرانيين ما يخسرونه من الديبلوماسية التي عهدوا بها إلى روحاني. لقد كسبوا الوقت لمصلحة برنامجهم النووي والنظام السوري الذي يدور في فلكهم. وأرست الثيوقراطية هيكلية عميقة لترسيخ سلطتها. أمثال روحاني يمكن الاستغناء عنهم. الثيوقراطية صلبة في تمسّكها بالسلطة وبغريزة البقاء.
فليتبجّح أوباما قدر ما يشاء بفاعلية العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. تستطيع الثيوقراطية التعايش مع هذا الأمر. فمنذ استيلائها على السلطة عام 1979، تُناصِب الولايات المتحدة ايران العداء بمنسوب أمثل، أي بالقدر الكافي تماماً الذي يُتيح استخدام هذا العداء بمنزلة المثبِّت الأيديولوجي لنظام مبنيّ على البارانويا ورهاب الآخر، من دون التسبّب بحملة عسكرية من شأنها أن تلحق الضرر بهذا النظام.
يقول المسؤولون الأميركيون الآن إنه ليس لإيران أن تشعر بالارتياح جرّاء تردّد أوباما في الملف السوري، وإن الولايات المتحدة ستتوخّى اليقظة أكثر في موضوع الإمكانات النووية الإيرانية بالمقارنة مع تعاملها مع مسألة الأسلحة الكيميائية السورية حتى الآن.
لكن على رقعة الشطرنج الديبلوماسية، وأمام حشد كبير تجمهر للتفرّج على اللاعبين في مواجهة محفوفة بالرهانات العالية، يسهل أن نرى أن اللاعب الأميركي يتعرّض لهزيمة حاسمة. إنهم شديدو الدهاء في بلاد فارس، يتحيّنون دائماً الفرصة لاقتناص اللحظة التي يعلق فيها الخصم في الفخ.
باحث في جامعة ستانفورد الأميركية