إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

استعصاء تفاوضي - هشام دبسي (المستقبل)

تظهر ملامح تشكّل جديد، في الخريطة السياسية للشرق الأوسط، استناداً إلى حيثية الاتفاق الأميركي ـ الروسي حول نزع السلاح الكيميائي من أيدي نظام بشار الأسد، وإلى حيثية التحول الأولي في السياسة الإيرانية بشأن معالجة الملف النووي، بما هو عنوان الملفات الإيرانية المتشعبة.
لعلّ نجاح مجلس الأمن في التصويت على القرار الخاص بنزع السلاح الكيميائي السوري بعد قليل من التجاذب وشد الحبال، يؤشر إلى أن النجاح في عقد مؤتمر جنيف الثاني، هو المرجح في الفترة المقبلة، حيث تدور في الكواليس الآن، المقاصات السياسية الدولية، لرسم نتائج المؤتمر العتيد، قبل الدخول إليه، على أن أمر نجاح "جنيف 2" مرتبط في طبيعة الإجابة على آليات تطبيق بنود اتفاق مؤتمر جنيف الأول، والإجابة أيضاً على ما ستكون عليه سوريا بعد عهد الأسد البائس.
في طهران، تدور عجلة سياسية جديدة، في محاولة لتلبية مطالب الأكثرية الشعبية التي أوصلت الشيخ حسن روحاني الى سدة الرئاسة. لكن الأسنان الخشنة للاتجاه المتشدد (المحافظين زائد الحرس) كفيلة بكسر اندفاعة السياسة الجديدة، ما لم يتدخل "الولي الفقيه" لمنع هذا الصدام، واحتواء الاتجاهين، لما فيه خدمة المصلحة القومية الايرانية، عبر إدارة ذكية للتوازنات الداخلية وتشابكها مع توازنات الإقليم والوضع الدولي.
لذا لا يمكن اعتبار سياسة الاتجاه الإصلاحي، مجرد مناورة، كما لا يمكن التسليم بأنه الاتجاه القادر على بلورة السياسة الإيرانية، بمعزل عن الولي الفقيه وحاجته الملحة الى إرساء التوازن الداخلي في إيران، من أجل مكاسب على المسرح الدولي أهمها إنهاء العقوبات الاقتصادية.
الإدارة الأميركية بحسب خطاب الرئيس أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رسمت الإطار العام لسياستها الخارجية، بما بات يعرف "بمبدأ أوباما" (عدم استعمال القوة إلا عند الضرورة القصوى) وحددت المهمة المباشرة لها إلى حين نهاية الولاية الثانية للرئيس بأن تحقق اختراقاً في تسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وتسوية الملف الإيراني.
تلك المهمة المزدوجة التي تسعى اليها الإدارة الأميركية، شكلت مأزقاً حقيقياً لحكومة إسرائيل، لأن إشاعة مناخ سلمي والسعي الى تسويات بعيداً عن الحرب يصيب السياسة الإسرائيلية بعطب كبير، ويكشف الأهداف الإسرائيلية على حقيقتها تجاه الفلسطينيين والعرب وشعوب المنطقة.
لقد افتقد نتنياهو كثيراً لخطاب أحمدي نجاد الداعي الى تدمير دولة إسرائيل، ويحرجه الآن استلام برقيات تهنئة من الرئيس الإيراني الجديد بمناسبة الأعياد اليهودية.
ولمعرفة نتنياهو بعجزه عن تغير هذا التوجه الجديد لدى الإدارة الأميركية، فإن ثقل الرد الإسرائيلي العملي كان في مواجهة الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس والقطاع، وفي مواجهة الوفد المفاوض الذي دخل المفاوضات للمطالبة بالانسحاب إلى خط 4 حزيران عام 1967 لتنقلب المفاوضات إلى مطالبات إسرائيلية بالبقاء أربعين عاماً أخرى.
تلك المقاربة الإسرائيلية لمفهوم الأمن والحدود تنسف أي احتمال لنجاح المفاوضات في الوصول إلى شيء يذكر.
وحتى يعلن الفلسطيني انسحابه من المفاوضات، تستمر سياسة الاستفزاز الأمني الإسرائيلي في مدن الضفة الغربية، وسياسة الاعتداءات المتواصلة على الحرم القدسي، ولسان حال أجهزة الأمن الإسرائيلية يقول أين انتفاضتكم أيها الفلسطينيون؟ ولماذا تأخرتم إلى الآن؟
من جهته يعرف وزير الخارجية الأميركي جون كيري ما يفعله نتنياهو وفريقه التفاوضي لإنتاج استعصاء تفاوضي يؤدي إلى انهيار هذه الجولة. لكنه كعراب لهذه المفاوضات، لن يسمح بانهيارها مبكراً بل يحاول إسناد المسيرة التفاوضية عبر الأفكار الاقتصادية التي ساهم في صياغتها طوني بلير ممثل الرباعية الدولية. لتصل إلى مقام خطة اقتصادية لثلاث سنوات من شأنها الارتقاء بالاقتصاد الفلسطيني إلى مستوى التغلب على عجزه البنيوي.
لكن في الواقع لا يمكن للخطط الاقتصادية أن تنجح، ولا يمكن للاستثمار أن يتطور تحت بنادق الاحتلال، وعلى حواجزه وبين المستوطنات التي تتغول وتنتفخ لتأكل الأرض الفلسطينية.
السؤال الآن برسم عراب المفاوضات وسيد البيت الأبيض حول موقفهم من السلوك الإسرائيلي التفاوضي. ومن الإجراءات الأمنية والاستفزازات اليومية التي تستدعي رد فعل شعبي فلسطيني خاصة عندما يتعلق الأمر بالحرم القدسي.
فإذا كانت واشنطن قادرة على ضبط إسرائيل لاستراتيجيتها في ما يخص سياستها تجاه طهران ودمشق، فإنها قادرة أيضاً على فرض الانضباط عليها في الشأن الفلسطيني ولا داعي للبحث عن طريقة لتوجيه اللوم والاتهام للفلسطيني عندما تنهار هكذا مفاوضات.

() مدير مركز تطوير للدراسات

 

← العودة إلى مختارات