الهجرة والمنفى والموت الرحيم - سليمان تقي الدين (السفير)
لو فتحت الحدود في العالم لا نعرف كم من ملايين البشر كانت ستشد رحالها نحو الغرب والشمال، من العالم القديم إلى العالم الجديد. الهجرة من بلاد العرب لا تتوقف بأشكالها المختلفة. جاليات العرب والمسلمين هي بعشرات الملايين في أوروبا وأميركا، وفي أميركا الجنوبية واستراليا.
مآسي الهجرات غير الشرعية تتكرر من بلدان شمال افريقيا ومن آسيا، ثم لا نلبث أن ننسى الموضوع ونتجاهله. هجرة المسيحيين من الشرق تحولت في بلادنا إلى مسألة ايديولوجية، أي إلى مسألة تعايش بين الجماعات الدينية. هذا بعض من نتائج مشكلة أعمق من ذلك بكثير. يهاجر الفقراء اللبنانيون منذ قرنين في ظروف السلم وأكثر في ظروف الحروب الأهلية.
لكن الأغنياء اللبنانيين يهاجرون كذلك ويبذلون المال من أجل الحصول على جنسية بلد متقدم ومستقر. هجرة رجال المال والأعمال، والهجرة في طلب العلم والعمل، والهجرة في سبيل الاستقرار والكرامة، وهجرة الأدمغة، ظاهرة متعددة الأبعاد والأسباب والأهداف. ولا ننسى الهجرة السياسية أو المنفى القسري الناتج من الاستبداد وقمع الحريات. المجتمع الغربي يجذب كل هذا الجمهور ويفتح له آفاق الحياة الحرَّة الكريمة. هو نفسه المجتمع الذي نتصادم معه ثقافياً وسياسياً. خصوم الغرب
في كثرتهم الساحقة يتمنون أن يعيشوا فيه، أو يطمحون أن يصيروا جزءاً منه، أو يرغبون في اقتباس الكثير من إنجازاته، ويعملون على تقليد الكثير من أنظمته واستيراد قيمه وأفكاره. منذ قرنين على الأقل هذه حالنا كعرب مع الغرب: إعجاب وكراهية. لكننا رغم ذلك لم نعرف كيف نقيم علاقة سوية حرة متوازنة متكافئة. فشل ثقافي وفشل سياسي. في الواقع، نخوض معركة اكتساب المنجزات التكنولوجية كلها من دون تحفّظ وصولاً إلى السلاح النووي أو العلم النووي، لكننا نريده تحت «حجاب ايديولوجي» آخر.
الغرب صدمتنا وعقدتنا وتحدينا وضدنا، ولم نعرف كيف نواجهه أو نتعامل معه إيجاباً. في جزء أساسي من المشكلة، ان الغرب تحوّل إلى شمّاعة لفشلنا وإلى مخرج موهوم أو تبرير سهل لتغطية أزمة وجودنا. تكاد تكون هذه قضية العرب بوجه خاص والمسلمين إلى حد بعيد. المسلمون ليسوا في مركب واحد في هذا المسألة، لكنهم حيث أدخلوا الإسلام على نحو ما يفكرون به سياسياً، واسطة العلاقة بينهم وبين الغرب، أو بينهم وبين حاجاتهم المتجددة المعاصرة، أوجدوا لأنفسهم مشكلة. مشكلة لغة في التواصل والحوار، مشكلة تحوير القضايا الإنسانية وتزييفها، من قضايا إنسانية إلى قضايا ما ورائية أو سماوية. هذه ليست استثناء تاريخياً. عرف الغرب هذه التجربة ودفع ثمن تجاوزها. قوة الغرب في هذا الإنجاز والتجاوز ومشكلتنا في ثقافة العبودية الإنسانية التي ندعي بناءها من أجل «عالم أخروي» تسود فيه العدالة، فإذا بنا نقيم عبودية على الأرض بإرادتنا وخياراتنا ونمط ممارستنا. في الواقع، نحن ننتج صنمية ووثنية وخضوعاً لقوى مادية ولا نفتح آفاق الحرية.
هذا التأويل الديني أو التفسير أو التسييس ليس إلاّ أفعالاً بشرية نصنعها كسجون لتطورنا، وفي حقيقته مصالح دنيوية سلطوية. ولأن الإخفاقات متكررة منذ قرنين نعيد إنتاج الأفكار الجديدة من المصادر نفسها، ومن المخيّلة الشعبية المريضة بداء الإحباط، ومن ثقافة الاستبداد التي تدعي حل مشكلات الناس بالنيابة عنهم والوصاية عليهم و«صهرهم» لكي يصيروا كتلة مادية صلبة. ثلاثة نماذج بشرية عالمية معروفة سلكت هذا المسلك، النازية والفاشية والستالينية، ومقلدوها ومريدوها، وقد انتهت بكوارث إنسانية. ولا يزال لهذه النماذج مخلّفات في المضمون نفسه ولو استثمرت أو استهلكت أفكاراً مختلفة.
ليست الثورات والمقاومات وحركات التغيير كلها في خط التقدم الإنساني. في كثير مما نعرف هناك نتائج سلبية أو على الأقل فصول سلبية حين لا تتوافر شروط التغيير وظروفه من أجل التقدم، وحين يكون التغيير ولادة قيصرية أو غير ناضجة، في مجتمعات تتنازعها الأهواء البشرية المختلفة وتتداخل فيها عوامل لا تعد ولا تحصى. فالثورة قد تصير حرباً أهلية، وحركة التحرير سلطة، والدولة نظاماً مشوهاً. وهذه من بعض ما عشنا ونعيش في لبنان ودنيا العرب. شعوب تنزع إلى الهجرة والمنفى والموت الرحيم.