نحن وإيران - شارل رزق (النهار)
أشاع الاتفاق الروسي – الأميركي الأخير في جنيف مناخاً جديداً في علاقات الدولتين العظميين، تجاوز الحرب السورية ليشمل سائر أزمات المنطقة، وأهمها تلك المتصلة بإيران. والدليل الى ذلك الإعلان المفاجىء عن الرسائل ما بين الرئيسين الإيراني والأميركي الأسبوع الماضي هي الأولى منذ عشرات السنين.
عند انتخاب الرئيس الإيراني الجديد الشيخ حسن روحاني، شكك "عارفون" بشؤون إيران بقدرته على أحداث تغيير يذكر في سياسة بلاده. وذكّروا بأنّ الصلاحيات الأساسية هي في يد مرشد الثورة خامنئي. وشبّهوا انتخاب روحاني بانتخاب إصلاحي آخر هو الرئيس السابق خاتمي الذي سرعان ما حاصره المتشددون وألقوه في بحر النسيان.
وقد تجلّى نهج المتشددين بدعمهم المالي والعسكري المطلق للنظام السوري، ما مكّنه من الصمود في وجه الثورة الشعبية. وقابل هذا الصمود صمود مماثل للثورة، لا بل تحويلها، بعدما بدأت سلمية ديمقراطية، حرباً أهلية ذات طابع طائفي، تنذر بإشعال صراع واسع على صعيد المنطقة.
أفسحت إطالة عمر الثورة الناتجة عن إطالة عمر النظام المجال واسعاً أمام التنظيمات الجهادية للسيطرة، نسبيّاً، على الثورة، ولفرض سلطتها على مناطق واسعة من سوريا تحت راية "تنظيم القاعدة"، وهو العدو اللدود لإيران. فجاءت بالتالي محصلة الدعم الإيراني للنظام السوري منذ سنتين على عكس الأهداف المعلنة لهذا الدعم، وتراكم عبئها فوق عبء العقوبات الإقتصادية والمالية الدولية ليرهق الإقتصاد الإيراني كلّياً.
هنا تبدّدت شكوك "العارفين" وبطل تشبيههم إنتخاب روحاني بانتخاب خاتمي، إذ لم يأتِ إنتخاب الأول ليروي النهم الديمقراطي كما حصل في انتخاب خاتمي، بل ليعبّر عن وعي الشعب بلوغ الإقتصاد الإيراني حالة الإفلاس نتيجة سياسة التشدد ومغامرة الدعم المطلق للنظام السوري، ما أوصل إيران إلى الحائط المسدود. وما زاد من هذا الإنسداد فضيحة إستعمال السلاح الكيمائي من النظام السوري والإنذار الأميركي الروسي الموجه له بتسليم هذا السلاح إلى المجتمع الدولي بلا إبطاء.
ولن ينفع المتشدّدين الإيرانيين الهروب إلى الأمام للخروج من المأزق، والتباهي بالإنجازات النووية، والتفاخر بإدخال إيران نادي الدول النووية، لضمان أمنها الكامل. هل ضمن السلاح النووي أمن إسرائيل من عمليات المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية، وهل حال دون حرب أكتوبر في العام 1973؟ هل منع السلاح النووي الأميركي تنظيم القاعدة من ضرب قلب الولايات المتحدة نيويورك في 11/ 9/ 2001؟ وهل حال السلاح النووي دون إنهيار النظام السوفياتي في العام 1991؟
لن يحمي السلاح النووي إيران من أخطار لا تتصورها الآن، فالعنصر الاتني الفارسي لا يمثّل سوى نصف سكان البلاد، ما لا يجعلها أكثر تماسكاً من بعض جيرانها في المنطقة، نسبةً إلى العنصرين الكردي أو العربي، لا سيما في منطقة خوزختان البترولية حيث أكثرية السكان هم عرب عبّروا أكثر غير عن نزعتهم الإنفصالية، مطالبين بقيام عربستان مستقلة عن إيران.
* * *
أياً تكن نتيجة المفاوضات بين الدول الخمس زائد إلمانيا من جهة وإيران من جهة أخرى، أصبح معلوماً أن إيران وصلت إلى عتبة إنتاج السلاح النووي وانضمت إلى ما يسمى "دول العتبة النووية" Nuclear Threshold States، وهي الدول التي، وإن لم تنتج فعلياً السلاح النووي على غرار الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، وبريطانيا، والهند، وباكستان، واسرائيل، وكوريا الشمالية، تبقى قادرة، كاليابان، وإلمانيا، والبرازيل، وأفريقيا الجنوبية أن تنتج هذا السلاح في فترة قصيرة. فقدرتها النووية لا تتمثل بقنابل مخزّنة في المستودعات بل بتكنولوجية كامنة في عقول مهندسيها.
بهذا المعنى، لا بدَّ من اعتبار إيران دولة نووية منذ الآن، ما يرتب عليها المسؤوليات المترتبة على الدول النووية عموماً، وعلى رأس هذه المسؤوليات وجوب اعتماد نهج دبلوماسي قائمٍ على توازن الرعب الناتج عن خطر التدمير المتبادل الحتمي "Mutually Assured destruction". فأيّ تهديد من جانب إيران باللجوء إلى السلاح النووي يعرضها لتهديد مماثل صادر عن دول نووية أخرى أكثر قدرة وقوة بكثير. فالنتيجة الحتمية لبلوغ إيران القدرة النووية، أو إقترابها من العتبة النووية، ستكون إضطرارها إلى الإبتعاد عن المزايدة والرعونة التي اتسمت بها مواقفها سابقاً.
وبناءً على هذا المفهوم المستقبلي علينا، نحن اللبنانيين، أن نبني علاقتنا مع إيران من الآن فصاعداً، مدركين أن تحقّق هذا المفهوم المستقبلي ليس قريباً لأن ثمَّة صراعاً داخل إيران بين قوى المستقبل المتمثلة بروحاني وقوى الماضي التي تتربّص به.
لكن ما يبعث الأمل هو إنضمام المرشد خامنئي إلى المعتدلين بعد دعوته قادة الحرس الثوري إلى اعتماد ما سمّاه "الليونة البطولية". ونخطئ إذا اعتقدنا، كلبنانيين، أن الصراع الداخلي الإيراني محصور بدولة خارجية، وعلينا بالتالي أن ننأى بأنفسنا عن شؤونها. فلإيران امتدادات في الداخل اللبناني مرتبطة بقوى الماضي الإيراني المتشّدد الذي ورَّط بلاده في الأزمة التي تتخبّط فيها. واجبنا بالتالي في لبنان أن نتخذ موقفاً مما يحصل في إيران وأن نمدّ اليد لقوى التغيير والإصلاح فيها.