بين الخبراء والخطباء - حبيب معلوف (السفير)
لم تكن عملية الدمج بين الطاقة والمياه والغذاء، في ندوة الاسكوا ومؤسسة الحريري الاسبوع الماضي مبتكرة. صحيح انها تحاول ان تربط بين اكثر القضايا حساسية في العالم هذه الايام، وصحيح ان هذا الربط بات ضرورياً، الا انه لم يكن محكماً ولا كافياً. لم يكن هذا العنوان مبتكراً لا بل كان ناقصاً، اذ طالما تحدث الفلاسفة القدماء عن العناصر الاربعة التي تعتبر من اسس الحياة على كوكبنا، وهي الشمس (الطاقة اليوم) والتربة والمياه والهواء. فأين الهواء في المعادلة الجديدة المطروحة؟ اين المناخ؟
مع تطور علوم البيولوجيا (الحياة) وعلوم الايكولوجيا (البيئة)، كان يُفترض أن نتقدم في التحليل ومحاولة الربط، لا ان نتراجع. فهذه العلوم علمتنا ان ننظر الى الترابط بين العناصر والأنواع بنظرة اكثر شمولية. فلا نستطيع ان نتحدث عن المياه والغذاء والطاقة من دون الحديث عن النظم الايكولوجية عامة التي تدخل فيها ايضا عناصر المناخ والتنوع البيولوجي وتوازناته عامة. واذ اثرت علميات انتاج الطاقة واستهلاكها على المناخ العالمي كما نعلم، فإن تغير المناخ في العالم يؤثر سلباً على كل النظم الايكولوجية والغذائية التي نعرفها والتي لا نعرفها. في هذه النظرة الأكثر شمولية، لا يمكن استبعاد الجانب التقني المصطنع ايضا. فالتقنيات المتطورة والمستخدمة في علميات التصنيع والانتاج... وفي الاستخدامات كافة، تسببت بشكل او بآخر في هذه الازمات العالمية في الغذاء والمياه والطاقة بدل ان تساعد في حلها. ويبدو ان مُعدّي الندوة لا يزالون يراهنون على النظم الاقتصادية نفسها التي تسببت في هذه الكوارث لتجنب كوارث جديدة! وقد استعانوا بخبراء على سبيل المثال، يروجون لتقنيات جديدة لانتاج اللحم بطرق كيميائية بدل تربية الابقار(التي تعتبر مستهلكة كبيرة للتربة والمياه)، بدل الدعوة الى العودة الى النظام الغذائي القديم الذي لم يكن ليتناول اللحوم الا في المناسبات. متناسين ان الثورة الزراعية التي اعتمدت على تربية الابقار بشكل اصطناعي وكثيف في المزارع واعتمدت على الاعلاف الحيوانية بدل النباتية لاهداف تجارية... قد تسببت بمرض جنون البقر وبأمراض أخرى كثيرة معروفة وغير معروفة، ونسفت اي انجاز او تقدم مزعوم ولم تعالج مشاكل نقص الغذاء، تماماً كما اي تقنية جديدة مقترحة، تريد ان تأخذ حصتها في السوق فوراً وتنافس وتنتج حسب متطلبات هذا السوق لا حسب متطلبات الحياة وديمومتها.
لقد تحوّل معظم الخبراء إلى خطباء يكررون المعطيات نفسها منذ أعوام، بدل أن يتم تطعيم أبحاثهم بخبرات الفلسفة وعلوم الاجتماع والنفس والتاريخ والبيئة والايكولوجيا...الخ.
كما تحوّل الكثير من العلماء الى عملاء للشركات يروّجون للتقنيات (التي اخترعتها) في السوق للمنافسة والمتاجرة من دون أي حساب لقدرات الموارد ومحدوديتها ولا لانعكاسات كل عمليات السحب من الطبيعة والتصنيع والاستهلاك على الطبيعة نفسها.
اما حول موضوع مسح «الموارد المائية المشتركة في غرب آسيا»، وهي الدراسات التي زادت نسبتها في الفترة الأخيرة على خلفية ان الموارد المائية في المنطقة هي متجددة وعابرة للحدود. فيبدو أنها مجرد مقدمة لإخراج هذه الموارد من سيطرة الدول وتبرير تحويلها الى سلعة قابلة للبيع والاتجار، بدل ان تكون موردا عاما وحقا من حقوق الشعوب كالهواء ... كمقدمة لاحكام وضع يد الشركات الكبرى عليها.
في هذه الحالة يصبح موضوع دمج القطاعات كافة او انتاج فلسفة جديدة جامعة، ضرورة ملحة، ولكن على قواعد جديدة، تنطلق من فلسفة حفاظية وليس استثمارية، تحفظ وحدة الوجود ولا تستثني أي عنصر من عناصر الحياة.