سمعة سيّئة - غسان العياش (السفير)
التفجير الذي تعرّض له محيط السفارة الإيرانية أمس الأوّل هو عمل إجرامي بامتياز، لأنه تسبّب بقتل وجرح لبنانيين أبرياء وبنكبة عائلات مسالمة، أكثر مما ألحق الأذى بالمصالح الإيرانية في لبنان.
وبرغم اعتياد لبنان على التفجيرات والجرائم الجماعية منذ عقود، فإن التفجير الأخير أثار انتباهاً خاصّاً وقلقاً استثنائياً. فقد اعتبر، لكونه أوّل تفجير انتحاري من نوعه، فاتحة لنوع جديد من القتل والإرهاب لم يعرفه لبنان من قبل، بل كان يسمع به من المحيط القريب والبعيد.
ولا شك في أن الحادث لفت، أيضاً، نظر الأوساط الدولية، التي تهتمّ عادة بالتفجيرات الانتحارية وتتوجّس منها. وإذا تكرّر هذا النوع من الحوادث الإجرامية، وأصبح لبنان مسرحاً للعمليات الانتحارية، كما يتكهّن البعض، فسيصنف لبنان دولياً في خانة البلدان ذات المخاطر الأمنية العالية. ودون ذلك أثمان تدفعها البلاد، أقلـّـها عزلة تـُـفرض عليها، تؤثر على السياسة والاقتصاد.
والشيء بالشيء يذكر، فهل تسوء الأوضاع الأمنية بفعل احتدام الصراع الإقليمي و«يكتسب» لبنان سمعة أمنية سيّئة تتزامن مع سمعة اقتصادية سيّئة بدأت إرهاصاتها تطلّ بغزارة من خلال مواقف وتقارير متزامنة لمؤسّسات دولية ذات وزن؟
«ستاندرد شارترد» مصرف بريطاني عملاق انطلقت نشاطاته سنة 1853، وهو يدير من لندن شبكة عالمية تشغّل 87 ألف موظف وتضمّ 1700 فرع في أكثر من 70 دولة، بينها مصرف صغير الحجم في لبنان. قبل أيام أعلن المصرف نيّته بيع مصرفه في لبنان ضمن خطة لديه للخروج من عمليات التجزئة والتركيز على العمليات الكبيرة. ورغم أن السبب المعلن لبيع المصرف اللبناني لا يتعلق حصراً بالأوضاع اللبنانية، بل يأتي في سياق خطة شاملة للمؤسّسة الأمّ، إلا أن إعلان البنك رغبته بتركيز أعماله في بلدان توفر فرصاً مجدية للنشاط المصرفي هو بحدّ ذاته شهادة سلبية غير مباشرة حيال الاقتصاد اللبناني.
في الوقت نفسه، تقريباً، نشرت مؤسّسة التمويل الدولية «IIF»، التي تتمتع بمصداقية عالمية، تقريراً موجزاً عن الاقتصاد اللبناني، مقدّمة للتقرير الموسّع الذي سيصدر في الأيام القليلة المقبلة. وفي التقرير الموجز خفضت المؤسّسة توقعاتها السابقة للنموّ الاقتصادي في لبنان في العام الجاري من 1.1% إلى 0.7 %، نتيجة تأثير الأحداث السورية والوضع السياسي المحلي وتردّي المالية العاّمة. وللتذكير فقط، حدّدت الحكومة اللبنانية معدّل 2% كهدف متوقع للنموّ الاقتصادي خلال سنة 2013.
ومن المعروف أن مؤسّسة التصنيف الدولية «ستاندرد أند بور» خفضت تصنيفها لثلاثة مصارف لبنانية كبيرة لكي يصبح متناسباً مع تصنيف الدولة اللبنانية. وبرغم اعتراف مؤسّسة التصنيف المذكورة بسلامة هذه المصارف، فقد استندت في موقفها إلى تراجع الأداء الاقتصادي في البلاد وتوسّع المصارف الثلاثة في إقراض الدولة إلى ما بين 3 و4 أضعاف أموالها الخاصّة.
أيضاً، فإن صندوق النقد الدولي، في تقريره نصف السنوي عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، خفض بدوره توقعاته لنموّ الاقتصاد اللبناني، وإن كانت تقديراته جاءت أعلى من تقديرات مؤسّسة التمويل الدولية لمعدّل النموّ هذا العام. واعتبر تقرير الصندوق أن تأثير الأزمة السورية وتراجع القطاع السياحي وأوضاع المالية العامّة هي أبرز أسباب التراجع الاقتصادي في لبنان. بدوره، خفض البنك الدولي في لبنان توقعاته للنموّ خلال العام الجاري، ليلتقي مع صندوق النقد الدولي عند 1.5%.
هذه أمثلة عن التقارير الدولية التي توالى صدورها في وقت قصير لتظهر نظرة دولية سلبية عن أداء الاقتصاد اللبناني خلال العام الجاري، فإذا أضيفت إليها نظرة سلبية للواقع الأمني، مع بدء مسلسل التفجيرات الانتحارية، تتبدّى لنا الصورة التي يظهر بها لبنان أمام العالم.
الجانب الأكثر مأساوية في الموضوع، أن لبنان ما زال يحتفظ بمقومات أداء اقتصادي ممتاز، تتمثل بعنصر بشري ناجح، ولبنانيين متفوّقين في الخارج يضخون 8 مليارات دولار سنوياً في اقتصاد بلدهم، ونظام مالي متطوّر، وقطاعات اقتصادية حاضرة للانطلاق إذا توفرت لها الظروف الملائمة.
ولكن العائق هو فقدان الإرادة السياسية لتحرير الاقتصاد اللبناني من المعوّقات، وعرقلة تشكيل الحكومة، والإمعان في تفريغ السلطات الدستورية ومؤسّسات الدولة، والإصرار على استيراد الحروب الإقليمية إلى قلب لبنان.