إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

العملية الكبرى الثانية: من استيعاب مصر السبعينات إلى"استيعاب" إيران اليوم - جهاد الزين (النهار)

 الطريقة التي تشارك بها جميع الدول الكبرى في العالم باتفاق جنيف حول الطاقة النووية الإيرانية، كما الطريقة الدراماتيكية التي قدّمت بها إيران هذا الاتفاق بدءا من رئيسها، لا تتركان مجالاً للشك بـ "تاريخية" الاتفاق من حيث نظرة صانعيه إليه على أنه نقطة تحوّل أو إمكان نقطة تحوّل في علاقات المنطقة.

على ضوء هذا التهيّب الشامل للإتفاق يبدو أننا في خلفية تفكير صانعيه الغربيين أمام محاولة تغيير نوعية جديدة في البيئة السياسية للشرق الأوسط تأتي بعد أكثر من أربعة عقود على العملية الكبيرة الأولى التي بدأت في مصر ومع مصر وأدّت إلى سحبها- لقاء أثمان- من الصراع العربي الإسرائيلي.
هذه المرة الثانية تتعلّق بإيران الدولة الرئيسية أو التي جعلت من نفسها رئيسيّة بأشكال مختلفة في الصراع العام في الشرق الأوسط.
نحن إذن أمام أمام بدايةِ عمليةٍ جديدة تطمح إلى إعادة تنظيم موقع قوة رئيسية في الصراع العام في المنطقة.
إنها بداية... أي أن سنواتٍ إلى الأمام تنتظرها لأنها من ذلك النوع من التحولات التي "تحتاج" إلى صناعة تغييرات في الأشخاص أيضا وليس فقط في الوقائع! فإذا كان لهذه العملية أن تتقدّم، علينا أن نسأل من سيسقط ومن سيبقى في إطار الإقليم الكبير الذي تتصل به ومن ضمنه إيران نفسها؟
ومع أن المقارنة المباشرة في التفاصيل مع العملية الكبرى الأولى التي حصلت في وحيال مصر ليست مفيدة بسبب الاختلافات العميقة بين ظروف وتوازنات العملية الأولى وظروف وتوازنات العملية الثانية البادئة رسميا أمس الأول في اتفاق جنيف، وقد تكون بدأت على الأرجح قبل ذلك، مع ذلك دعونا نعود لاستعراض تطوّرات تغيير البيئة السياسية للمنطقة منذ السبعينات من القرن المنصرم:
افتُتِح التغييرُ بوفاة الرئيس عبد الناصر ووصول الرئيس أنور السادات. وقاد هنري كيسنجر في البداية ديبلوماسية سريّة مع الرئيس المصري أسفرت عن قرار مصر طرد الخبراء السوفيات عن أراضيها وبدء تحالف ما أسماه السادات "99 بالمائة من اوراق الحل بيد واشنطن في المنطقة" ثم حصلت حرب أكتوبر التي منحت سمعةُ انتصاراتها العسكرية ولاسيما الفعلية منها وتحديدا معركة عبور قنال السويس شرعيةً صلبةً لنظام الرئيس السادات (والرئيس حافظ الأسد) رغم الانتكاسة الخطرة التي تعرضت لها لاحقا. دخل السادات تدريجيا في منحى صفقة كبرى ثمنها الأول استعادةُ كامل صحراء سيناء من الاحتلال الإسرائيلي ودعمٌ اقتصاديٌ كبيرٌ من الولايات المتحدة مقابل ما سيصبح انسحابا استراتيجيا من الصراع العربي الإسرائيلي. في طريق عملية تغيير البيئة السياسيّة شهد النظام المصري تعديلاتٍ تدريجيةً جوهريةً بل حصلت أحداثٌ بدت عكْس مهمةِ تغيير البيئة وإذا بها تشمل في سياقها أحداثاً مثل حرب أكتوبر وقرار قطع النفط عن الغرب واغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز والحرب الأهلية اللبنانية حتى اغتيال السادات نفسه وطرد منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عبر الغزو العسكري الإسرائيلي إلخ... كما شهدت خلالها أيضا صعود الإسلام السياسي في مصر والذي سيكسب اندفاعتَه الأولى الكبرى من الثورة الإسلاميّة الإيرانية عام 1979.
ما هو الحدث الموضوعي في المنطقة الذي سمح ببدء المحاولة الغربية لعملية التغيير الثانية للبيئة السياسية في الشرق الأوسط، الحدث الذي يشبه التحول الذي صنعه الانتصار الإسرائيلي الساحق عام 1967 كأساس موضوعي لعملية التغيير الأولى؟ هل هو، في ما يتعلّق بإيران، موجات "الربيع العربي" ولا سيما الانفجار السوري الذي وضع الهجوم الجيوبوليتيكي الإيراني في المنطقة في أقصى حالة دفاعية؟ هل هو العقوبات الاقتصادية أم هو مزيج الإثنين معاً؟
هناك فوارق كثيرة بين ظروف مصر وظروف إيران. فالموقع المصري الناصري مع أنه اعتمد مثل الموقع الإيراني، "الشغَبَ" حينا وتصديرَ الثورة حينا آخر من الجزائر إلى الوحدة مع سوريا إلى لبنان 1958 إلى اليمن لكن قبوله (أي المصري) في العالم العربي كان أكثر رسوخا وشمولا من الموقع الإيراني حتى لدى أعدائه لأنه جزءٌ من العالم العربي... مع ذلك فإن الفارق الكبير - إذا كان لا بد من المقارنة - هو أن إيران 2013 لا تدخل على "الصفقة" من موقع أي هزيمة شاملة بالمستوى الذي تعرّضت له مصر عام 1967. على العكس لديها حتى اللحظة أرصدةُ امتدادٍ مباشرةٌ أو غيرُ مباشرةٍ، شرعيةٌ أو غيرُ شرعيةٍ، معترفٌ بها أو غير معترفٍ بها في العديد من دول المشرق، من العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى غزّة إلى البحرين. لهذا أخذ "استيعاب" مصر طابع إضعاف نفوذها في المنطقة بينما يأخذ "استيعاب" إيران طابع تكريس نفوذها في المنطقة. وهذا فارق مهم إنما يبقى التشابه الجوهري هو في أن العمليّتين كلتيهما تهدفان إلى رسم شرق أوسط أكثر تناغما مع النظام الدولي أو أقل تضارباً معه. شرق أوسط، كان دائما في حالة رسم له منذ الحرب العالمية الأولى.
إنه لمن المثير أن الاستيعاب في كل مرة يشمل أمة قديمة ، مصر فإيران، في بنية سياسية حديثة هي الشرق الأوسط بمعظم خرائط دولها وفي القلب منها إسرائيل. بالتالي سنرى في هذا المسار الجديد الذي، كالسابق المصري سيستغرق إعدادُ مسرحه سنواتٍ، هل سيكون موقع الفرس (والإيرانيّين) أفضل مما حصل للمصريين (والعرب) أم لا في عالم اليوم؟ فالأمّتان، كما نعرف يجمعهما وعيُهما "الشقي" والمأساوي بما نالهما في المائة عام الأخيرة من وحيال الغرب؟
لا زلنا في بداية عملية كبرى لا يمكن أن تستمر بدون أن تعني نوعا من الخروج الإيراني من الصراع مع إسرائيل مقابل تثبيت معادلات لصالح إيران في أماكن أخرى. قد تنجح أو لا تنجح هذه المحاولة التغييرية في بيئة الشرق الأوسط. قد تظهر لاحقا أنها غير ناجحة فيما تكون ناجحة. لكن الأكيد أن تحسّس الرؤوس يجب أن يبدأ رسميا منذ أمس الأول ليس فقط في جبهة بعض أعداء إيران بل أيضا في جبهة أصدقاء إيران.
عمليات تغيير بهذا المستوى هي دائما مفاجئة وخطيرة وأحيانا سيناريواتها "خلاّقة"... إذا نجحت، فيجب أن لا ننسى أنها بصورة ما تعني "تغيير" إيران أيضاً؟؟؟

← العودة إلى مختارات