إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

الدولة اللبنانيّة بين نظامين دوليّين - جهاد الزين (النهار)

 في هذا المنتدى(*) بالذات، أجد نفسي مشدوداً إلى أسئلة سياسية من نمط خاص: أولها ما معنى كلمة "استقلالي" في السياسة اللبنانية وهي الصفة التي أطلقها على أنفسهم كوادر وناشطون ومثقفون ساهموا في حركة 14 آذار عام 2005؟ وفي هذا المنتدى يوجد العديدون منهم في ما أعرف وفي ما أفترض.

جوابي السريع ودون إطالة ولا مداورة، هو: لا معنى لكلمة "استقلالي" اليوم في ما آلت إليه السياسة اللبنانية الداخلية من تبعية غير مسبوقة، في نسبتها وبنيتها، للخارج ولا سيما الخارج الإقليمي. هذا إذن يشمل 14 و8 آذار معا.
سؤالي الثاني ما معنى "الطائف" أو "اتفاق الطائف" اليوم؟
كان "الطائف" جوهريا وقبل معضلات إعادة التوزيع السلطوي في الصيغة الطائفية اللبنانية التي جسّدها، قبل ذلك... كان هو قرارَ النظام الدولي بإبقائنا دولة موحّدة.
لكن الطائف على مستوى التجربة فاقم معضلة عدم قدرة اللبنانيين على حكم أنفسهم بأنفسهم، سواءٌ خلال وجود مرجعية النظام السوري بتفويض دولي وإقليمي أو بعد إخراج هذه المرجعية العسكري من لبنان بقرار دولي ساندته قوة شعبية كبيرة ووقفت ضده قوة شعبية ذات وزن.
السؤال الثالث: ما معنى "تعدّديّة" في لبنان اليوم؟
هناك مستويان الأول هو ما تعنيه من تعددية طوائف وهي تعددية لا خطر عليها في لبنان إنما هي مهدّدة في المنطقة. والمستوى الثاني هو التعددية داخل كل طائفة. المفارقة في العلاقة بين مستويي التعدّدية هذين هي أن الطائفة الأكثر تعرضا للخطر في المنطقة وهم المسيحيون هي الطائفة الأكثر احتفاظا بتنوعها الداخلي في لبنان بينما الطوائف المسلمة وتحديدا الطائفتين السُنّية والشيعية الموضوعتين في سياق حرب أهلية في المنطقة هما (مع الدروز) الطائفتان الأقل تنوّعا سياسياً داخل كلٍّ منهما في لبنان.
منَعَ النظامُ الدولي السابق الذي كان يعيش آخر أيام الحرب الباردة، منع تقسيم لبنان أو بالحد الأدنى منع استمرار دويلة الأمر الواقع في المناطق المسيحية على الجزء الأكبر من جبل لبنان التاريخي. وسمح النظام الدولي الجديد، نظام ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بولادة دولة أمر واقع كردية على مرحلتين: مرحلة ما عُرِف بالحماية العسكرية الأميركية لشمال خط العرض 36 داخل العراق بعد طرد قوات صدام حسين من الكويت والمرحلة الحالية في ظل غطاء النظام الفدرالي العراقي بعد سقوط صدام حسين، كما سمح النظام الدولي الجديد بانفصال كامل لجنوب السودان عن دولة السودان بل قاد هو هذا الانفصال. وما أراه يتبلور أكثر فأكثر في الوضع المستجد في المنطقة هو اتجاه إقليم كردستان العراقي حثيثاً نحو الانفصال الكامل كدولة مستقلة، في زمن عاد فيه الجيوبوليتيك يبتسم للأكراد بأشكال مختلفة في سوريا والعراق وتركيا. وهو ما يمثّل في نظر النخب الكردية نوعا من الانتقام بل انتقاما صريحا من نتائج الحرب العالمية الأولى.
أعطي أمثلة متناقضة من منطقتنا وهناك أمثلة أخرى من العالم. القاعدة العامة – التي لها استثناءات مثل انفصال بنغلادش وتوحيد فيتنام بانتصار عسكري – كانت منعَ اللعبِ بالحدود الدولية أو الداخلية في الشرق الأوسط وإفريقيا في ظل نظام الحرب الباردة. في النظام الدولي الجديد ورغم استمرار قوة ثبات الحدود الدولية إلا أنه يبدو – أي الجديد – أقل صرامةً من النظام السابق حيال أي تعديل للحدود الداخلية لدول هذه المنطقة وإفريقيا. لا زالت هذه المعادلة الموروثة من ما بعد الحرب العالمية الثانية، الحفاظ على الحدود الدولية، تقاوم بفعالية في أمكنة عديدة: في الصحراء بين المغرب والجزائر وفي الكونغو وحتى في فلسطين 1948 رغم كل التقدم المخيف للإستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. إنما الذي يعنينا من لبنان أن هذه المعادلة لم تعد بالقوة السابقة في النظام الجديد لا سيما بعد انفجار سوريا على نفسها وعلى المحيط. فهناك جو عالمي قد يُضعف أكثر معادلة ثبات حدود الدول منذ توحدت ألمانيا وانفصلت تشيكوسلوفاكيا إلى دولتين واستقلت أريتريا وتيمور الشرقية وتوحّدت اليمن الشمالية والجنوبية مع تذكيركم أن اسكوتلندا ستقوم قبل عام 2017 باستفتاء حول بقائها أو عدم بقائها داخل الدولة البريطانية.
بقينا دولة واحدة في الطائف وبعده، أدّعى بعضُنا أنه يحب ذلك أم لا؟ أكانت النخبةُ المسيحية التي شاركت في صياغة اتفاق الطائف تمثّل أقلية في الجو المسيحي يومها أم لا؟ كأنما نستعيد المفارقة التي لم يعشها جيلي، وحتى في هذه القاعة وخارجها أصبح الذين عاشوها قلةً... إنها المفارقة التي سمعنا كثيرين وقرأنا قليلين يشيرون إليها بقولهم أن النخبة المسيحية التي ساهمت في ميثاق 1943 – أي ذكرى الاستقلال – كانت أيضا أقلية. ربما... لكن الأكيد أن عدد المسلمين الذين كانوا مؤيدين لتسوية 1943 كان أقل باشواط من المسلمين الذين أيدوا اتفاق الطائف، أيا يكن سبب التأييد طائفيا أو موهوما بأنه طريق "الإصلاح السياسي".
نتحدّث عن ذِكْريَيْن واحدة موصولة بأواخر الحرب الباردة أوائل النظام الدولي الذي تلاها هي ذكرى الطائف، وواحدة موصولة بالحرب العالمية الثانية هي ذكرى الاستقلال. لكن الزلزال السوري أعادنا إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، في ما نستشعره جميعا بأنه إعادة صياغة لـِ"سايكس بيكو".
لم تظهر حدود لبنان عند وضع سايكس بيكو. كان جزءاً من منطقة النفوذ الفرنسي الساحلية التي تمتد من كيليكيا إلى جبل عامل. كيليكيا التي استولى عليها سريعا ثوار مصطفى كمال أتاتورك وطردوا ما تبقى من أرمن في جنوب غرب الأناضول. ستظهر هذه الحدود كما تعلمون عام 1920.
منذ بدأ الانفجار السوري أعتقد أن الأساسيات في الحياة السياسية اللبنانية مؤجّلة بانتظار ظهور نتائج الوضع السوري. لذلك في المثلّث الذي طرحه موضوع هذه الندوة فإن أقوى ما لدينا هو التعددية بين الطوائف، رغم أنها مهدّدة جديا في المنطقة ورغم أنها منتكسة داخل كل طائفة من الطوائف الثلاث السنية – الشيعية - الدرزية. خسارة تعدد المنطقة ستكون نهائية إذا حصلت، أما التعدد داخل كل طائفة فيستعاد بقوة الاجتماع السياسي في عالمنا المعولم. إذْ مهما بلغت سيطرة تيار أيديولوجي أو سياسي على بلد أو بيئة أو طائفة ستكون سيطرة مؤقتة بينما الخطر الحقيقي هو الخطر الوجودي الذي يهدد بقاء هذه البيئة أو تلك الجماعة. أما أضعف ما لدينا فهو الاستقلال... وأما الطائف فسنرى مآله على ضوء مصير سوريا. السؤال هل تصمد الدولة اللبنانية أمنا واقتصادا حتى اتضاح ذلك؟ شكرا حتى اليوم لقرار التوافق الدولي الذي يبقينا بلد خدمات للحرب السورية لا بلد حرب في الحرب السورية.



* مداخلة قُدِّمت في ندوة متعدّدة الأصوات دعت إليها "حركة التجدّد الديموقراطي" يوم الثلثاء (19-11-2013) في مقرّها في سن الفيل تحت عنوان: "الطائف والاستقلال وحماية التعدّدية".

← العودة إلى مختارات