قطار من دون سائق - غسان العياش (السفير)
لو سمح الرئيس تمّام سلام لنفسه أن يتصرّف على سجيّته لاعتذر منذ شهور عن عدم تأليف الحكومة. التقليد السياسي لدار المصيطبة يقضي، عند استعصاء الأزمات، بطرح الموقف والإصرار عليه وقلب الطاولة بوجه الجميع. بمنظار الحسابات السياسية الضيقة، لا مصلحة للرئيس المكلف بالاستمرار في تحمّل ما يَحتمل، ولكنه يصبر لأنه يعرف أن اعتذاره يفتح باب الأزمة الوطنية على مصراعيه ويجعل الحلول التوافقية بعيدة المنال.
المأزق القائم في لبنان أبعد من موضوع تأليف الحكومة. إنه يتعلق بكون البلد يسير بلا إدارة، قطار يتقدّم بسرعة من دون سائق، يوجّهه ويمنعه من التدهور.
ليست مجاري المياه في الطرق العامّة وحدها «فالتة»، الاقتصاد بأسره متروك على غاربه، يفتقد الدولة ودورها القيادي منذ قرابة العقد من الزمن. لقد تخلت الدولة عن دورها للاعبين آخرين، واضطر مصرف لبنان، أحيانا، إلى الإمساك بزمام الأمور حتى في ميادين ليست أساسا من اختصاصه.
فالمصارف تموّل الدين العام، تكتتب بالإصدارات، وعند استحقاقها تعيد شراءها مع فوائدها، مضافا إليها تمويل ما ترتب من عجز إضافي بسبب عدم كفاية الإيرادات. ولأن المصارف تموّل قرابة 60% من أوراق الدين الحكومية، فكلما أصدرت وزارة المالية سندات دين إضافية بقيمة خمسة آلاف ليرة ينبغي أن تغطي المصارف ثلاثة آلاف ليرة منها. من هنا، المصارف مضطرة لتحقيق زيادة سنوية في ودائعها لا تقلّ عن 6% لكي تستطيع تلبية الزيادات المطّردة في إصدارات الحكومة.
الأهمّ دائما هي الزيادة المطلوبة في الودائع بالعملات الأجنبية، ولدى الخزينة سندات بالعملات الأجنبية بلغ رصيدها آخر أيلول الماضي ما يعادل 24 مليار دولار.
هنا يبرز لاعبون أساسيون، جنود مجهولون، في الاقتصاد اللبناني. إنهم اللبنانيون غير المقيمين المكافحون بكدّ وكفاءة خارج لبنان، الذين يحوّلون شهريا إلى لبنان ما لا يقلّ عن 600 مليون دولار. مع تراجع المصادر الأخرى المهمة للعملات، السياحة والاستثمارات الخارجية، بسبب الوضع الأمني، حافظت تحويلات اللبنانيين من الخارج على مستوى مقبول، يغذي ودائع المصارف ويمكنها من تلبية الاحتياجات المتزايدة للخزينة.
تجري هذه الآليات بلا حكومة تستشرف وتخطط وتوجّه وتصوّب المسارات، يعوّض عن غيابها جزئيا خروج مصرف لبنان عن نطاق اختصاصه من أجل تلافي ما هو أدهى.
المصرف المركزي لا دور له في إدارة الاقتصاد ككل، بل هو مكلف فقط بالحفاظ على قيمة النقد، أي حماية المجتمع من التضخم، والحفاظ على النظام المالي.
فالتضخم، المرتفع أو المفرط، ظاهرة تقلب التوازن الاجتماعي في البلاد، بصمت، وتدفع بشرائح واسعة من المواطنين إلى أتون الفقر. وقد استحقت محاربة التضخم، بعد التجارب المأساوية التي عرفها العالم، أن تناط بسلطة مستقلة لا يتدخل احد بشؤونها ويُعهد إليها أن تتخذ، بكل حرية، التدابير الآيلة إلى تأمين استقرار الأسعار.
كما لا يتدخل أحد في عمل المصرف المركزي وسياساته، من حيث المبدأ، فإن هذا الأخير لا يتدخل بتاتا في باقي السياسات الاقتصادية التي تتولاها الدولة. ولكن غياب الدولة اللبنانية، عبر الفراغ أو بسبب الانقسامات السياسية، جعل مصرف لبنان «فوج إطفاء» متنقلا وفرقة إنقاذ مستنفرة لتلافي الكوارث. فهو يكافح التضخم ويحافظ على النقد ويراقب النظام المصرفي، ولكنه، أيضا، يعمل بمشقة على تأمين التمويل للدين العام ويقدّم الحوافز لتنشيط الاقتصاد المهدّد بالركود، ولا يتردّد في إدارة شركة الطيران الوطنية وينتشلها من خطر الإفلاس ويحوّلها إلى شركة رابحة.
المتقاعسون عن القيام بواجبهم في إرساء إدارة سياسية للبلد يجب أن يعلموا أن قدرات مصرف لبنان ليست من دون حدود، وأن الحلول التي يجترحها ليست بلا ثمن، في الحاضر أو في المستقبل. فالولادة الطبيعية للحلول تتطلب حكومة مستقرّة متحدة تجاه المصالح الحيوية للبنانيين، على الأقلّ.
تكرار هذه الدعوة ربما صار مملا لكثرة تكرارها، على أكثر من لسان. وربما يجاب عليه بالقول «على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟». ولكن فداحة الخطأ ومخاطره تحث على تكرار الحقيقة، من دون ملل.