من تونس إلى لبنان - أمين قمورية (النهار)
تونس علّمتنا مرة كيف تكون الثورة وها هي اليوم تعلمنا كيف يكون التوافق بديلاً من الاحتراب لتكون بذلك بقعة ضوء ساطعة في ظلام العرب الدامس الذي لا يتذكر من تاريخه إلا داحس والغبراء.
بإقرارها دستورها الجديد تصنع تونس عقداً اجتماعياً فريداً، وتقود ثورة ثانية لتبني جمهورية ثانية. هذه الثورة الجديدة تمثلت في نجاح النخب التونسية، اسلامية وعلمانية، في الابتعاد عن حافة الحرب الأهلية التي كانت وشيكة عبر تقديم تنازلات أدت إلى ولادة دستور جديد حظي بإجماع شبه كامل في المجلس الوطني التأسيسي. هذا العقد الاجتماعي التوافقي يرضي البعض بشيء ولا يرضي البعض الآخر بشيء آخر. البعض كان يريده دستورا اسلاميا يحكم بالشريعة، والبعض الآخر كان يريده علمانيا يفصل الدين عن الدولة، لكن الدنيا في النهاية موازين قوى وتوافقات وصفقات ومساومات وتنازلات.
ومن هنا طبّق التونسيون المثل القائل "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم"، أي لا تحكم الشريعة الاسلامية وفي المقابل لا تتعلمن الدولة، وهي صيغة تضع المجتمع التونسي في الوسط وتترك الحرية لكل فرد لاختيار توجهه. وهي صيغة وفقت بين الاسلاميين والعلمانيين اللادينيين، وذهبت إلى حد اعتبار ما اتفق عليه "دستوراً ليبرالياً".
وهكذا علمتنا تونس كيف يكون التنازل علامة قوة لا علامة ضعف، وكيف نخسر حين ينتهي صراعنا على الحاضر أو الماضي إلى تضييع المستقبل، وكيف تتقدم المصلحة الوطنية مصالح الجماعات والأحزاب والتيارات، وكيف يلتقي العلماني مع الليبرالي مع الإسلامي الى طاولة واحدة لتقدير الموقف وإقرار الأجندة بعيداً من صراع الملفات الإقليمية وإغراءات الاستحواذ على السلطة.
واذا كان بات صعباً على السوريين التعلم من الدرس التونسي بعدما اعمى القتل بصيرة النظام ومعارضته، كما بات صعبا على المصريين بعدما قررت جماعات منهم عزل جزء ورميه الى هامش السياسة، فهل هو صعب على اللبنانيين الذين يتغنون بالتعايش أو العيش المشترك وبأن صيغة التوافق هي ابتكار لبناني صرف؟
ألم يحن الوقت ليتفق جهابذة السياسة اللبنانية على حكومة الحد الادنى من التوافق قبل ان تلتهمنا نيران ثعبان "هيدرا" الارهابي المتنقلة بين البلدات والمناطق اللبنانية، من الهرمل الى الضاحية، ليجعل الخوف لصيقاً بعيوننا والقلق مبعثراً لأحلامنا؟
هل انعدم الاحساس بالمسؤولية لدى الرهط الحاكم الى درجة بات معها المنصب الوزاري أغلى من وطن وأغلى من دماء طفل؟
لا نريد ثورة ياسمين، لا نريد تغييراً للوجوه الكالحة الراسخة في الحكم من زمان، لسنا في حاجة الى بوعزيزي يذكرنا بمأساته بمآسينا... كل ما نريده، وكل ما نتمناه، ان نستورد من تونس، التي صدّرنا اليها قرطاجة والحرف، بعضاً من التوافق قبل ان يبتلع التطرف والجاهلية آخر عرق أخضر في هذا الوطن.