إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

وثيقة بكركي: لا شرق ولا شرق - جهاد الزين (النهار)

 كان على وثيقة بكركي التي أهم ما فيها أنها تعكس – بمعزل عن جديد الصياغات أو قديمها – موقع المسيحيين كمصدرأساسي للتوازن الداخلي اللبناني... كان عليها أن تستحدث مصطلح "لا شرق ولا شرق" بدَلاً من أُحادية الشعار الميثاقي التقليدي المؤسس لـ"لبنان 1943" وهو "لا شرق ولا غرب".

كلُّ "مذكّرةِ البطريرك بشارة الراعي" أو "وثيقة بكركي"، بصفتِها وثيقةً تتصدّى لأزمات لبنان كما هي متبلورةٌ ومتواصلةٌ عام 2014، قائمةٌ عملياً على فكرة ضرورة حياد لبنان بين "الشرق والشرق".
هناك سببان يبرّران هذا التعديل الذي يجعلنا ننتقل في الصياغات الميثاقية من وحدانية شعار "لا شرق ولا غرب" إلى ثنائية "لا شرق ولا غرب" ولا شرق ولا شرق" معاً....
الأول سبب فكري عميق في العالم المعاصر وموقع منطقتنا البنيوي من هذا العالم. والسبب الآخر هو السياسي المباشر الذي أنتج الوثيقة كمشروع برنامج من موقع الكنيسة المارونية لـ"خلاص" لبنان الوطني.
السبب الأول: في ما آل إليه القرن العشرون وتكرّس في القرن الحادي والعشرين لم يعد هناك شرق وغرب بما هي ثنائية إسلام شرقي – غرب مسيحي بل في عمق العلاقات الحضارية والثقافية والاقتصادية والسياسية المعولمة هناك شرقان كلاهما غربيّان. بقي من "الشرق والغرب" معنىً جغرافيٌّ، أما "الإسلام" فهو إسلامان بل إسلاماتٌ كلُّها غربيّة. الإسلام (ومسلموه) اعتبرناه أو اعتبر نفسه تقليديا أم جديدا، محافظا ليبراليا ديموقراطيا أو استبداديا، معتدلاً أو تكفيريّاً، هو إسلامٌ غربيٌّ في العلاقات السياسية أي إبن منظومة العولمة الغربية وموازين قواها. إذن "لا شرق ولا شرق" حين يتعلّق الأمر بالاختيار السياسي للبنان بين دول ومحاور شرقية هي كلها "غربية" الموقع والمشاريع أو غربية الطموح إلى موقع ومشاريع.
السبب الثاني: إذا كان الصراع السعودي الإيراني من خلال سيطرة الطرفين على الكتلتين الطائفيّتين الأكبر في لبنان هو الذي يعيد تجديد الحاجة إلى شعار "لا شرق ولا غرب" فإنه صراعٌ بين شرقين يلبس تعبويا ثوب الانقسام السني الشيعي الذي هو حاليا في الجيوبوليتيك والشعارات شرقان ليست غربيّتهما هي المطروحة وإنما شرقيّتُهما كمهيمنيْن على الكتلتين (الحزبين) الطائفيّتين اللبنانيّتين المعطِّلتيْن للنظام السياسي الذي تبحث وثيقة بكركي عن حلول لأزماته.
لا إلتباس في مفهوم "الحياد" الذي تدعو إليه وثيقة بكركي حيال الصراع العربي الإسرائيلي فهي تنحاز بشكلٍ طبيعي إلى القضية الفلسطينية والموقع العربي في هذا الصراع. الطموح إلى حياد بين إسرائيل والعرب أصبح من ماضي بعض الأدبيّات اللبنانية وخلّفته مفاهيم الحياة السياسية اللبنانية وراءها. هذه خبرة مكتسبة من التجارب ولا تشمل الكنيسة المارونية وحدها بل الكثيرين من اللبنانيين. لكن أيضا بمعنييْن اثنيْن:
معنى تاريخ الحياة السياسية اللبنانية المعاصر الذي سحق تيار "الحياد اللبناني بين إسرائيل والعرب"؛
ومعنى جديد نوعي هو انتقال العرب والمسلمين إلى مفهوم علاقة مختلفة بإسرائيل: العرب في بعض تحالفاتٍ واقعيةٍ مع إسرائيل تنهي أولوية الصراع معها، والمسلمون غير العرب الإيرانيون والأتراك الذين تأخذهم خياراتهم العميقة القديمة (الأتراك) إلى أولوية التكيّف مع التفوّق الغربي التحديثي والالتحاق به (بمعزل عن شكليات تكتيكية سابقة لـ"حزب العدالة والتنمية") والخيارات الجديدة (الإيرانيون) إلى أولوية العثور على موقع الدولة - الأمة الإيرانية بقيادة رجال الدين داخل النظام الدولي وبشكل مستقر مما يعني جوهريا الخروج الإيراني من الصراع مع إسرائيل وهذا هو الباب الاستراتيجي الذي يفتحه الاتفاق الأميركي الإيراني "النووي". ليس أقل.
" وثيقة بكركي" وثيقة مسؤولة ومعتدلة وواضحة في ما آل إليه لبنان المُثْقَل ببنيةِ كتلتيهِ السياسيّتين الاجتماعيّتين "الأيديولوجيتين" السُنّية والشيعيّة. لم تعد الثنائية المسيحية المسلمة العزيزة على بكركي صاحبة الدور المؤسِّس في الكيان اللبناني كما تشير الوثيقة وعن حق... لم تعد هذه الثنائية هي مصدر المشكلة الأساسية بل تخطّتها التحولاتُ و "تخطّت" معها الصراعَ المارونيَّ الدرزيَّ الذي سبقها منذ أيام المتصرفية ثم استمر ملحقا بها في "لبنان الكبير". فحتى في "الحرب الأهلية" اللبنانية هناك "قواعد لعبة" جديدة لم يعد جبلُ لبنانَ "الصغيرُ" مركزَها وإنما مناطق "لبنان الكبير". ولهذا لم يكن صدفةً أن هذه المناطق هي التي "الْتحقتْ" عمليّاً بالحرب في سوريا.
نحن في العقد الأخير أمام حالة ليست وليدة التكوين اللبناني وحده بل هي وليدة المنطقة الشاسعة حولنا إلى الشرق والشمال والجنوب و "نستوردها" إلى لبنان أي ثنائية الحساسيّة السنّية الشيعيّة. هذا هو الوضع الجديد الذي تواجهه وتتوجّه إليه وثيقة بكركي ولو بلغة قديمة أحيانا لكنها اللغة التي تتقنها بكركي.
من أفضل التعابير التي استخدمَتها الوثيقة تعبير "الأزمة الوجودية" التي تحصل كلما واجه اللبنانيون استحقاقا انتخابيا أو تشريعيا أو تشكيل حكومة. فعلاً صحيح هذا التوصيف: كيف تتحوّل إدارة "روتينية" لنظام سياسي إلى :أزمة وجودية.
عدا ذلك شكرا على النوايا الطيّبة والنبيلة الواردة في الوثيقة حول مواجهة الفساد والزبائنيّة، والدعوة للامركزية الإدارية الواسعة والدولة "المنتِجة" الباسطة سيادتها على كل أراضيها من الجنوب إلى الشمال و"الحكومة الكفيّة"... (لا أريد أن أعكِّر بتشاؤمي على هذه المطالب الميؤوس منها لأن الكنيسة لا يمكن أن تضع "النظام السياسي الطائفي" موضع بحث واتهام وإنما فقط ممارسات سياسيّيه).
شكرا أساسا على استمرار الكنيسة بخيار لبنان الموحّد رغم كل "الغلاظات" السوسيولوجية السياسية الثقافية لدى السُنّة والشيعة ورغم انحيازات بعض أبناء الكنيسة الزمنيّين المبالَغِ بها شرقاً وشرقاً!
أختم هذه الملاحظات بـ"وردة" الوثيقة. إنها إشادتها بالدستور التونسي الجديد لناحية أهم ما فيه: أولا حرية الضمير وهذه نقطة يعرف قيمتَها مسيحيّو الشرق أكثر من غيرهم لأنها تتعلّق لا بحريّة العبادة بل بحرية المعتقد (الديني) للفرد وتليها نقطة ثانية تعرف قيمتها كل النخب المسلمة العربية وهي مساواة المرأة بالرجل. هذه الإشادة بالغة الأهمية من حيث انتقال "القوة الناعمة" في العالم العربي إلى المثال التونسي بما هو إنجاز ريادي لا فارق فيه بين شرقٍ وغرب. وإنما بين شرق وشرق. وكلا شَرْقَيْنا المرجعيّان في المعضلة اللبنانية متخلِّفان عن هذا المثال. بل معاديان له.

← العودة إلى مختارات