توليد الطاقة من النفايات بين العلم وحسن الإدارة - حبيب معلوف (السفير)
تنظم وزارة البيئة اليوم (وغداً) مؤتمراً وطنياً عن التفكيك الحراري، أي معالجة قضية النفايات عن طريق حرقها وتوليد الطاقة الكهربائية. وقد دُعي الى هذا المؤتمر بالإضافة الى الإعلام، الهيئات والإدارات الرسمية المعنية، البلديات والجمعيات والاكاديميين... الخ.
يشارك في هذا المؤتمر بالإضافة الى خبراء وزارة البيئة لاسيما المسؤول عن الملف في الوزارة بسام صباغ خبراء من هولندا وبلجيكا. ويتمحور البحث في هذا المؤتمر حول تقنية التفكيك الحراري، كيف تعمل وكيف تطورت في العالم ومدى مناسبتها للوضع اللبناني بالإضافة الى كلفتها وجدواها الاقتصادية وطرق تمويلها واسترجاع الكلفة وطرق الإدارة والمراقبة... الخ، مع الإشارة إلى ان مجلس الوزراء كان قد تبنى هذه التقنية منذ العام 2010 في قراره رقم 55 الصادر بتاريخ 1/9/2010 الذي أقرّ اعتماد تقنية التفكك الحراري في المدن الكبرى. جوهر هذا الخيار أنه انطلق من إخفاقات خطة العام 2006 التي لم تستطع ان تجد مطمراً بديلاً عن مطمر الناعمة لنفايات مدينة بيروت وقسم كبير من جبل لبنان، أي لأكثر من نصف نفايات لبنان، بالإضافة الى الصعوبة نفسها في مدن أخرى. لذلك تم تعديل خطة العام 2006 بالاعتماد على تقنية التفكك الحراري وتحويل النفايات إلى طاقة في المدن الكبرى، والإبقاء على خطة الـ 2006 في باقي المناطق اللبنانية.
في الوقت الذي لزمت فيه الدولة اللبنانية إحدى الشركات لدراسة الجدوى من حرق النفايات وتوليد الطاقة الكهربائية في المدن في لبنان تطبيقاً لقرار مجلس الوزراء المتخذ العام 2010 في الحكومة السابقة والذي تابعته الحكومة الحالية... لا يزال الجدال في لبنان حامياً حول صوابية هذا الخيار. الا ان هذا الجدل نفسه تقريباً، لا يزال يدور في البلدان الاوروبية ايضاً، بين مدافع ومناهض لخيارات الحرق. فكيف يمكن الاستفادة من تجارب الآخرين؟ وكيف السبيل الى اختيار التكنولوجيا الأفضل لمعالجة إحدى أبشع مظاهر العصر الحديث كالنفايات؟
لا يأخذ الجدل التكنولوجي في لبنان (ودول العالم الثالث عامة) مجراه عادة، كون كل هذه التكنولوجيات ليست أصيلة من جهة، ولوجود خوف كبير ومبرر من البلدان المستهلكة لهذه التكنولوجيا، أن تتحول الى حقل اختبار، او أن يتم الكيل بمكيالين في استخدام التكنولوجيا نفسها بين البلدان المتقدمة وتلك النامية مع تغيير الشروط والمعايير و«الخدمة ما بعد البيع»... وأن لا يتم الالتزام بالمعايير نفسها.
والملاحظ أنه كلما طرحت تكنولوجيا جديدة لمعالجة مشكلة ما، تطغى دهشة الاكتشاف الجديد على دور العقل المشكك والمدقق ويتم تبني خيارات، سرعان ما نندم عليها بعد فوات الأوان. مع العلم، ان آليات ومعايير الاختيار في البلدان المتلقية تجب أن لا تكون هي نفسها كتلك المعتمدة في البلدان المنتجة لتلك التكنولوجيات. فبعد ان وظفت الشركات مبالغ كبيرة في الستينيات والسبعينيات، وتلقت دعماً حكومياً لتطوير تكنولوجيا حرق النفايات على سبيل المثال، وقد تبين بعد فترة من الزمن أنها تتسبب بمشاكل صحية خطيرة، لم يكن من السهل عليها ان ترمي هذه التكنولوجيا جانباً وأن تبحث عن أخرى. لذلك فضلت العمل على «التطوير»، وقد ظهر بعد ذلك ثلاثة او أربعة أجيال مطورة من المحارق، حتى بات لا ينبعث من الجيل الأخير إلا بخار الماء! ولكن بأية كلفة؟ مع العلم أن هذه التقنيات الجديدة تستخدم الفيلترات الضخمة والمتطورة التي تتطلب مساحات تساوي أكثر من ثلثي حجم المعمل وآليات معقدة جداً لمعالجة الرماد بعد الحرق او لمعالجة الغبار السام العالق في الفيلترات... الخ، مع الإشارة أيضاً إلى ان هذه الحالة ليست هي نفسها في البلدان النامية والمتلقية. لا يعني ذلك أن على البلدان النامية أن تتبنى آخر المكتشفات وآخر التكنولوجيات، بل عليها التفكير ملياً قبل تبني اي خيار. فلا الظروف الطبيعية هي نفسها ولا الاقتصادية بالطبع.
من هنا تأتي أهمية مثل هذه المؤتمرات للإطلاع على الخبرات والتجارب والسجالات لأخذ العبر، قبل التسرع في تبني خيارات محددة. مواكبة لهذا المؤتمر، ما كانت نتيجة الدراسات والاستشارات التي جعلت وزارة البيئة تتبنى خيار التفكيك الحراري؟
ح. م.
بناء على قرار مجلس الوزراء المشار اليه، تم التعاقد مع استشاري عالمي لاختيار الحل والآلية الأمثل بما يتناسب مع الواقع اللبناني وإعداد دفاتر الشروط الفنية وملفات التلزيم المتعلقة بهذا الشأن، وقد تمّ التعاقد مع الاستشاري «ريمبول» للقيام بالمهام المشار إليها أعلاه. أنهى الاستشاري المرحلة الأولى من الدراسات المطلوبة، مؤكداً ان القيمة الحرارية لنوعية النفايات الصلبة في لبنان تبلغ حوالي 7،4 ميغاجول/كلغ فقط. وبهدف رفع القيمة الحرارية للنفايـات مـن 7 الــى 8 ميغاجول/كلغ ، لتسهيل عملية حرق النفايات من دون التطرق الى استعمال الفيول، ينبغي الإبقاء على معامل معالجة النفايات الصلبة القائمة حالياً في بيروت الكبرى لفرز وتسبيخ المواد العضوية بنسبة لا تقل عن 15 % من مجمل كمية النفايات (من دون فرز المواد القابلة لإعادة التدوير على سبيل المثال البلاستيك). كما واقترح الاستشاري بأنه قد يستلزم الأمر، في بعض الأحيان، فرز وتسبيخ نسبة 20 % من المواد العضوية لرفع القيمة الحرارية الى 9 مج/كلغ.
وقد أظهرت الدراسة ايضاً ان كل طن من النفايات ينتج 0،5 ميغاواط/ساعة من الكهرباء و 1،5 ميغاواط/س من التدفئة الحرارية، أي أن 850000 طن سنوياً من النفايات تنتج 425000 ميغاواط/س سنوياً. مما يعني ان معدل قدرة الإنتاج الكهربائية للمعمل في أي وقت تبلغ حوالي 48 ميغاواط. وفي حال تمّ إلغاء إنتاج التدفئة فقد يؤدي ذلك الى زيادة إنتاج الكهرباء بنسبة 10%.
التقليص والرماد
يتم تقليص النفايات بنسبة 95 % من حجمها وبنسبة 80% من وزنها من خلال عملية الحرق. يُعاد تصنيع المخلفات الناتجة عن عملية الحرق (أي الرماد)، والتي تبلغ نسبتها حوالي 15%، لتصبح مواد اولية بديلة تستعمل في اشغال البناء (مثلا الطرقات)، كما ويتم فرز الحديد والزجاج من الرماد وهي مواد قابلة لإعادة التدوير ويمكن تسويقها. بالإضافة الى ذلك، ينتج عن تنظيف مراكز التفكـك الحـراري «فلو غاس» ما نسبته 3% من الرماد (فلي اش) وهي مواد سامة تنبغي معالجتها وفق طرق خاصة قبل طمرها. على سبيل المثال، يتم ترحيل هذه المواد السامة الناتجة عن مراكز التفكك الحراري في الدول الأوروبية الى مطامر خاصة لهذا الغرض في ألمانيا أو النروج.
مَن يشغّل؟
تمّ عرض كافة الخيارات المتاحة للإدارة لتلزيم الاشغال، تبدأ من ملكية القطاع الخاص الكاملة، الى مشاركة القطاع الخاص بالقطاع العام، وحتى ملكية القطاع العام الكاملة. كما وتم عرض كافة المخاطر والفوائد العائدة لكل خيار.
أفاد الاستشاري بأنه يتم اعتماد خيارات عديدة في مختلف انحاء العالم. مثلاً في الولايات المتحدة نصف عدد المحارق يعود ملكيته للبلديات والنصف الآخر للقطاع الخاص، ولكن القطاع الخاص يقوم في معظم الاحوال بالتشغيل والصيانة. وفي شمال اوروبا فإن القطاع العام هو الذي يملك ويبني ويشغل ويقوم بصيانة هذه المراكز. اما في فرنسا فإن القطاع الخاص هو الذي يملك ويبني ويشغل مراكز التفكيك الحراري.
وحيث أن عملية تسليم القطاع الخاص مهام تمويل وإنشاء وتشغيل مشاريع كهذه له فوائد من ناحية تحميله كافة المخاطر إنما هذا الأمر يكبد الدولة أكلافاً إضافية بسبب الفائدة الناتجة عن الاستثمارات العالية وبسبب المخاطر التي سوف يتحمّلها هذا القطاع. وقد اقترح الاستشاري بأن الحل الأمثل للدولة اللبنانية هو أن تكون ملكية مراكز التفكك الحراري عائدة للدولة على أن يتمّ تمويل الإنشاءات من خلال قروض ميسرة من البنك الدولي او أي بنك آخر، ويقوم القطاع الخاص بتشغيل وصيانة المراكز. وهنا طرحت اشكالات عدة حول كيفية تأمين الكلفة من خزينة الدولة والتي تتجاوز المليار دولار اميركي؟!
محارق لمشاكل أخرى
اثناء اعداد الدراسات ومناقشتها، سأل البعض عن امكانية الاستفادة من هذه المحارق في معالجة مشاكل اخرى غير النفايات المنزلية كالنفايات الطبية ووحول الصرف الصحي بعد إنشاء محطات المعالجة وتشغيلها. هنا اقترح الاستشاري إمكانية معالجة الوحول المجففة الناتجة عن مراكز معالجة مياه الصرف الصحي بكميات محدودة. كما يقترح إمكانية معالجة نفايات المستشفيات غير السامة في المحرقة، شرط أن يتم نقلها بمستوعبات خاصة وعدم دمجها مع النفايات الأخرى.
كما توقع أن تكون الفترة الزمنية لطرح المناقصة وتلزيم وتوقيع العقد وبناء وتشغيل المحرقة حوالي 4 سنوات (سنة للتلزيم وثلاث سنوات للإنشاءات). كما تم عرض الإجراءات المتوجب اتخاذها من قبل الدولة ولا سيما من وزارة الطاقة والمياه لضمانة إنتاج وبيع الكهرباء طوال فترة التشغيل.
مواقع مراكز التفكك الحراري
حول المواقع المقترحة لمراكز التفكيك الحراري، اقترح الاستشاري لائحة بالمواقع المؤهلة لإنشاء مراكز للتفكك الحراري تخدم محافظات الجنوب والنبطية، بيروت وجبل لبنان، والشمال وعكار، على أن يتم الاختيار من ضمن هذه اللائحة المواقع التي تراها الدولة مناسبة لإنشاء هذه المراكز. وقد استثنى إنشاء مراكز للتفكك الحراري ضمن المنطقة الخدماتية العائدة الى محافظتي البقاع وبعلبك الهرمل. وقد أشار الاستشاري إلى أنه من المفضّل إنشاء هذه المراكز قرب محطات توليد الطاقة الكهربائية لتسهيل عملية شرك إنتاج الطاقة بالشبكات العائدة للدولة وقرب المناطق الصناعية الثقيلة وبالقرب من الشاطئ للاستفادة من مياه البحر في عملية التبريد. كما اقترح الاستشاري سيناريوهات عدة بالنسبة لتحديد هذه المواقع.
في الخلاصة، اقترح الاستشاري بأن يتم في الوقت الحاضر تلزيم مركز واحد للتفكك الحراري على أن يتم لاحقا، وعلى مراحل متتالية، تلزيم المراكز الأخرى، كونه ليس لدى الدولة اللبنانية أية خبرة في مجال التفكك الحراري. كما لفتت الدراسة بأنه من الصعب على الدولة بأن تقوم بإنشاء عدد من المراكز في آن واحد، إن من ناحية التلزيم والتشغيل وإن من ناحية الإدارة والتمويل.
وقد عرض الاستشاري جداول تبيّن كلفة الإنشاءات والتشغيل والصيانة والمدخول الناتج عن إنتاج الطاقة الكهربائية. كما اقترح جدولان يبيّنان قيمة الرسوم المتوجب تطبيقها لكل طن من النفايات التي تدخل مراكز التفكك الحراري، وفقاً لخيارين، الخيار الأول: في حال تمّ تمويل كلفة الإنشاءات من قبل الدولة، والخيار الثاني: في حال تم تمويل كلفة الإنشاءات من قبل المقاول.
تعديلات أخيرة
عدلت اللجنة الوزارية كلفة إنشاء مراكز التفكك الحراري الواردة في دراسة الاستشاري لتتوافق مع الخطة المطروحة من قبل الإدارات الرسمية الثلاثة ولتلحظ الكميات الفعلية للنفايات الصلبة، ومن أهم هذه التعديلات: إنشاء مركزين للتفكك الحراري لخدمة محافظتي بيروت وجبل لبنان بدلاً من إنشاء مركز واحد فقط كما هو ملحوظ في دراسة الاستشاري. واعتماد القدرة الاستيعابية لمركز التفكك الحراري المخصّص لخدمة محافظتي الجنوب والنبطية بـ 650 طن/يوم، بدلاً من 260 طن/يوم كما هو ملحوظ في دراسة الاستشاري. واعتماد القدرة الاستيعابية لمركز التفكك الحراري المخصص لخدمة محافظة الشمال بـ 650 طن/يوم، بدلاً من 385 طن/يوم كما هو ملحوظ في الدراسة المذكورة.
ولكن لم تحدد كلفة استملاك المواقع وقد ترك هذا الامر الى مرحلة لاحقة وعلى ضوء إقرار الخطة. كما تمّ احتساب كلفة تشغيل وصيانة مراكز التفكك الحراري بعد حسم مردود إنتاج الطاقة الكهربائية والبالغة 50 د.أ. للطن الواحد.