لماذا الخلاف على مضمون البيان الوزاري؟ "إعلان بعبدا" يسمو والمقاومة لا يحييها نص - اميل خوري (النهار)
عندما تكون قيادات لبنانية مرتبطة بخارج او مرتهنة له، فلبنان يدفع دائماً ثمن الصراع والتجاذب بين هذا الخارج وتبقى الازمات التي يتخبط فيها من دون حل، فلا حكومة يستطيع تأليفها بسهولة ولا رئيس جمهورية يستطيع انتخابه في الموعد الدستوري ولا انتخابات نيابية يستطيع اجراءها في موعدها ايضا. وما يواجهه لبنان اليوم يعكس هذه الصورة القاتمة إذ لولاها لأمكن تشكيل حكومة حيادية عند تعذّر تشكيل حكومة تجمع الطرفين المتناحرين والمتصارعين، وإذا اجمعتهما فلا يجمعان على سياسة واحدة كما هو حاصل حالياً. لكن الطرف الخارجي الذي يصر على أن يظل ممسكاً بالورقة اللبنانية تحقيقاً لأهدافه، وضع لبنان أمام خيارات صعبة، فالحكومة الحيادية مرفوضة لأنها تجعل اللعبة السياسية تفلت من يده، والحكومة التي سمّيت جامعة، أي انها تجمع نقيضين، عندما تم التوصل الى تأليفها بعد مخاض عسير دام أكثر من عشرة أشهر، جعل الاتفاق على وضع بيانها الوزاري يتعثر بتجاذب داخلي وخارجي بين من يصر على ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" ومن يرفض هذه الثلاثية لأن زمن المقاومة ولّى منذ أن دخلت الحرب في سوريا وليس في اسرائيل.
لقد انقسم اللبنانيون منذ عام 2005 بين 8 آذار التي تقف مع المحور الإيراني – السوري وتسميه "محور الممانعة"، و14 آذار التي تقف ضد هذا المحور وتدعو الى تحييد لبنان عن صراعات المحاور كي يرتاح ويريح، وظنت انها توصلت الى تحقيق انجاز وطني وتاريخي مهم عندما وافق أقطاب هيئة الحوار بالاجماع على "اعلان بعبدا"، ولكن فاتها ان قوى 8 آذار بقيادة "حزب الله" لا تستطيع الالتزام بهذا الاعلان والحرب الداخلية دائرة في سوريا وعلى نتائجها يتوقف مصير الصراع بين المحورين في المنطقة. فكان قرار الحزب بدخول هذه الحرب بأمر إيراني واعتبر "إعلان بعبدا" حبرا على ورق... ذلك ان انتصار المحور الايراني رهن بانتصار النظام في سوريا على خصومه وسقوطه سقوط لهذا المحور. وقد أسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري خلافاً لاتفاق الدوحة وخلفتها حكومة اللون الواحد برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي لتقف سياسياً مع المحور الايراني – السوري ثم عسكريا بأبرز المشاركين فيها عندما اندلعت الحرب الداخلية في سوريا.
وراهنت قوى 14 آذار على احتمال سقوط النظام السوري بحيث تتغير صورة الوضع في لبنان والمنطقة، في حين راهنت قوى 8 آذار على صمود هذا النظام وبقاء الحرب سجالاً بين المحاور العربية والاقليمية والدولية على الارض السورية. وعندما لم تستطع حكومة ميقاتي إلزام "حزب الله" بسياسة النأي بالنفس عما يجري في سوريا امتدت نيران الحرب فيها الى لبنان واصبح ساحة مفتوحة للارهاب يتلقى الفعل ورد الفعل. "حزب الله" يضرب في سوريا وخصومه يضربون في لبنان... وهذا دليل على ان لبنان لن يرتاح الا اذا اعتمد سياسة الحياد الايجابي واقتنع كل اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم بجدوى هذا الحياد الذي قد لا يتحقق إجماع لبناني عليه إلا بعد انتهاء الصراع بين المحور الايراني المسمى محور "الممانعة والمقاومة" والمحور المناهض له. فهل كتب للبنان ان يظل ينتظر نتائج كل صراع ليعرف أي حكومة يشكل واي بيان وزاري يضع واي رئيس للجمهورية ينتخب؟!
الواقع ان هذا الوضع الشاذ لم يعد في الامكان تحمله الى ما لا نهاية، وصار لا بد من حل دائم للخروج منه وليس بحلول الترقيع والتسويات، فعلى القادة اللبنانيين الاتفاق على حل وبسرعة قبل ان يواجهوا انتفاضة شعبية تطيحهم جميعاً...
ان ما بين 8 و14 آذار صراعاً ليس على السلطة فحسب بل بين خطين سياسيين بلغ حد النكايات وتقويم كلام ولو على حساب مصلحة الوطن والمواطن. فكلما تنازلت 14 آذار حرصا منها على وحدة الوطن وسلامته، طلبت 8 آذار المزيد غير مبالية باي مصلحة سوى مصلحتها، فرفضت الحكومة الحيادية رغم انها الحكومة الملائمة للظرف الراهن، وأصرت على حكومة جامعة، عادت 14 آذار ووافقت عليها لأجل لبنان. وعندما تشكلت افتعلت 8 آذار مشكلة الاتفاق على البيان الوزاري مع العلم ان "حزب الله" لا يهتم بنصوص البيانات والمواثيق والاتفاقات ويخرج عنها كلما قضت مصلحته بذلك بدليل انه لم يلتزم سياسة النأي بالنفس التي وردت في بيان حكومة ميقاتي، وتدخل عسكريا في سوريا من دون استئذان احد.
إن سياسة النكايات وتقويم الكلام بين 8 و14 آذار هي السياسة التي تكاد تودي بالبلاد الى الخراب، وان سياسة 8 آذار بفرض التنازلات على 14 آذار تحت طائلة الترهيب والتهويل والتهديد بالفراغ لم تعد سياسة تحتمل ولا بد من الخروج منها بحل دائم وثابت يجعل تشكيل الحكومات يتم من دون تعقيدات مفتعلة، والانتخابات النيابية تجرى على اساس قانون عادل ومنصف يعتمد في كل انتخاب".