متى انضمام لبنان الى منظمة التجارة العالمية؟ - د. فؤاد زمكحل (النهار)
إن الانفتاح التجاري خيار قائم من دون شك، على أساس الحاجة إلى السلام والحرية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن أيضا على الايمان بأن التجارة الحرة تساعد عبر تخصص كفي، على العرض الأمثل للسلع والخدمات، وتاليا على نمو اقتصادي أقوى وأكثر متانة. لا تطمح أهداف وولاية منظمة التجارة العالمية الى تبادل تجاري حرّ وغير مسؤول، انما بالعكس الى انفتاح تجاري مرفق بالقواعد والمساعدة اللازمة لتحسين الاقتصاد وتنميته.
فيما كان لبنان نظم لسنوات ورش عمل تتعلق بانضمامه إلى منظمة التجارة العالمية، ما زلنا حالياً وللأسف، بعيدين جداً عن انهاء المفاوضات الثنائية حول السلع والخدمات في الاطار عينه.
الفوائد التي يمكن أن تقدمها منظمة التجارة العالمية للبنان :
1 - تخضع منظمة التجارة العالمية لمجموعة اتفاقات تمّ التفاوض على معظمها خلال دورة أوروغواي، وهي تشكل مجموعة من القواعد يمكن أي عضو استخدامها لابراز حقوقه والتي يمكن تفسيرها بطريقة منسقة ومنتظمة بغية استباق سلوك الآخرين التجاري.
2 - يمكن لبنان أن يفيد من أحكام الدولة الأولى بالرعاية التي تتضمن أوسع توزيع للمنافع التجارية بين الشركاء. بالفعل، يضمن هذا المبدأ أن المنفعة الممنوحة من جانب عضو في منظمة التجارة العالمية إلى واحد من شركائه، ستمتد على الفور الى جميع الأعضاء الآخرين. تاليا، يحظر هذا المبدأ التمييز بين الشركاء التجاريين، إذ هو بمثابة مضاعف تبادلات حقيقي قدر الإمكان ضمن بيئة تنافسية مثالية.
3 - منظمة التجارة العالمية هي المؤسسة الوحيدة المتعددة الأفرقاء والتي لديها هيئة تنفيذ ملزمة: آلية تسوية المنازاعات. يرتبط تعقيد التبادل التجاري بزيادة عدد المشكلات الواجب تسويتها. إن التاريخ حافل بأمثلة عن الخلافات التجارية التي تصاعدت حتى أصبحت صراعات بحتة. إن نظام تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية هو أداة منهجية وملزمة ومحايدة، هدفها إيجاد حلول واقعية ذات درجة عالية من السيادية أو رهان اقتصادي عال.
5 - تتخذ القرارات في منظمة التجارة العالمية بتوافق الآراء. صحيح أن التصويت ممكن ولكن بالكاد يتم استخدامه، مما يضمن أن مصالح الدول الصغيرة حيال التجارة - مثل لبنان - ليست متوارية. بالفعل مباشرة بعد انضمامه، سيتمكن لبنان من المشاركة في المفاوضات، وتاليا تعزيز مصالحه الخاصة .
6 - وأخيراً تشكل منظمة التجارة العالمية حافزاً حقيقياً للإصلاح التشريعي والقطاعي. إن العديد من شروط العضوية المسبقة في منظمة التجارة العالمية - مثل المعايير، الصحة العامة وحماية الملكية الفكرية - هي في الواقع إصلاحات من صالح أي بلد تطبيقها – أكان عضواً في المنظمة أم لا.
كل هذه الفوائد تبرر بقوة الجهود التي لا تزال ضرورية لاتمام انضمام لبنان إلى منظمة التجارة العالمية.
في شروط الانضمام:
قرر لبنان بالفعل الانخراط في دينامية تحرير التجارة على الصعيد الثنائي والمتعدد الطرف. لذلك، من مصلحته تعجيل عملية انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية من أجل الافادة في أقرب وقت ممكن من العوامل الخارجية الإيجابية، مثل آثار جذب الاستثمار الأجنبي المباشر في لبنان وأيضا بالنسبة الى قطاع الإعلام الذي سيفيد من تحسين حماية الملكية الفكرية.
يتم التفاوض من أجل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بصورة نشطة وتشاركية، لأنه يتطلب تحرير تجاري يتكيف وخصوصيات الاقتصاد الوطني. بما أنه يتم التداول بشروط العضوية عن علم بالأمر، فبإمكان هذه الأخيرة التكيف حقاً مع خصائص أي اقتصاد. يجب الا ننسى دور المحرك الذي يفترض أن تؤديه السياسات القطاعية الوطنية في دعم الاقتصاد بغية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
بغية تسريع انضمامه في المنظمة، على لبنان أن يشارك سياسيا وأن يثبت صدقية جهوده لتوفير إطار تشريعي لاحترام التزاماته الناتجة من هذه العضوية. في هذا السياق، ينبغي أن تكون أولوية لبنان إعداد خطة عمل تشريعية خاصة بمنظمة التجارة العالمية وتنفيذها من شأنها أن تسمح لمجلس النواب باعتماد عدداً من القوانين الأساسية قبل الانضمام، مثل تعديل المادة 25 من قانون حقوق الاستثمار، والقانون المتعلق بالبيانات الجغرافية، والقانون المتعلق بالتصميم الصناعي، والقانون المتعلق بالعلامات التجارية والقانون المتعلق بالمنافسة غير المشروعة.
في العام 2007، وافق مجلس الوزراء على هذه المشاريع التي لا تزال تنتظر موافقة مجلس النواب.
من ناحية أخرى، يجب ألا ننسى:
- القانون العام المتعلق بالغذاء الذي وافق عليه مجلس الوزراء في 2006.
- قانون التجارة الدولية والترخيص فضلاً عن الحجر الصحي للحيوانات الذي وافق عليه مجلس الوزراء في 2003.
- قانون علم القياس والتنظيمات التقنية وقانون التوحيد القياسي اللذين رفعا الى مجلس الوزراء في حزيران 2009.
لا بد أيضاً من التشديد على أهمية التشاور وإشراك جماعات المصالح اللبنانية في إعداد مواقف لبنان في ما يخص الالتزامات المستقبلية ضمن منظمة التجارة العالمية. بالفعل ان الحوار المستمر مع المجتمع المدني أمر مهم، ولا سيما في القطاعات حيث أعرب الأفرقاء المعنيون عن قلقهم إزاء التأثير المحتمل الناتج من انضمام لبنان إلى منظمة التجارة العالمية .
في الواقع اختار لبنان الانخراط في دينامية تحرير التجارة، وتاليا من مصلحته الانضمام الآن وبسرعة كبيرة الى المؤسسة العالمية الوحيدة التي تراعي قواعد التجارة الحرة. منذ العام 1999، قدم لبنان عملاً تقنياً على مستوى جيد في المفاوضات الثنائية والمتعددة الطرف ضمن مجموعات عمل منظمة التجارة العالمية. إنما، يبقى انضمامه إلى المنظمة خاضعاً لعملية سياسية مواتية!