إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مهلة البيان الوزاري واستقالة الحكومة - المحامي ماجد فياض (النهار)

 تشيع هذه الأيام مقولة/ وهم؛ تكاد، لكثرة ما تحبرّها أقلام في الإعلام، تمسي حقيقة؛ وهي - حتماً - ليست كذلك. ومفادها: أن انقضاء مهلة الثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيل الحكومة، التي يفترض أن تتقدم خلالها من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة (المادة 64/دستور)؛ إنما هو سبب لاعتبارها مستقيلة ((كذا))؛ مما يستدعي دعوة رئيس الجمهورية إلى استشارات نيابية ملزمة (عملاً بمفعول المادة 53/البند 2 - دستور).

ويذهب أهل هذه المقولة/ الوهم إلى استنتاج ما توهّموه؛ من خلال المقارنة بين واقع عدم تحديد مهلة لرئيس الحكومة في استشاراته التي يجريها، وبين ما جاء - في صيغة الإيجاب - من أن على الحكومة أن تتقدم ببيانها الوزاري إلى مجلس النواب ضمن المهلة المحددة.
ولئن تذكر المرء أن الدستور قانون خاص، لا يجوز التوسع كثيراً في تفسير أحكامه؛ ولئن استذكر أيضاً أن المهل التي يوردها قانون ما، تكون مهلة قانونية (وليست عقدية أو قضائية)؛ فتضحي إما مهل حث (حض)؛ أو مهل إسقاط؛ فإن ما يجنبّنا جدلاً عقيماً في هذا الصدد، هو نص المادة 69/ دستور نفسها.
فهذه المادة (في الفقرة الأولى منها)، تورد - بصيغة آمرة قاطعة - أنه: ((1- تعتبر الحكومة مستقيلة في الحالات الآتية: أ- إذا استقال رئيسها. ب - إذا فقدت أكثر من ثلث عدد أعضائها المحدّد في مرسوم تشكيلها. ج - بوفاة رئيسها. د - عند بدء ولاية رئيس الجمهورية. ه- - عند بدء ولاية مجلس النواب. و - عند نزع الثقة منها من قبل المجلس النيابي بمبادرة منه أو بناء على طرحها الثقة)).
وما جاء في النص؛ إنما جاء على سبيل الحصر والتقييد، وليس على سبيل المثال؛ ولا سيما عندما استخدم النص عبارة: "الحالات الآتية"، وعدَّدها - متتالية واضحة - على أنها سبب لاعتبار الحكومة مستقيلة. ولم يُشر نص هذه المادة (المختصة بموضوع اعتبار الحكومة مستقيلة) إلى أن عدم التقدم بالبيان - ضمن المهلة - سبب لاعتبارها مستقيلة.
ولا يختلف عاقلان على أن ما يرد في نص ما لاحقاً؛ إن تناقض مضمونه مع ما ورد سابقاً؛ فإنه يَجُبُه (جَبَّ، قَطَع)، وينسخه، ويزيله. فيكون الثاني ناسخاً والأول منسوخاً؛ وهذا - كله - لو تناقص النصان؛ وإلا أُعْملا كلاهما ولم يُهملا. فكيف بنا؛ وما من تناقص بين نصي المادتين 64 و69/ دستور؛ بحيث لا تعتبر المادة الأولى - هنا - مختصة ببحث موضوع "أسباب اعتبار الحكومة مستقيلة"؛ على عكس ما هي الحال في الثانية. مما يرجح معه القول: إن "المهلة"، لا يترتب على انقضائها اعتبار الحكومة مستقيلة؛ لأنها ليست أكثر من مهلة "حث" أو حض على سرعة إنجار "البيان".
وأما "البيان"، فهو ليس أكثر من "خطاب" يتوجه به رئيس الحكومة، ليطرح سياسة حكومته وتوجهها (البند الثالث من الفقرة 64/دستور)؛ حتى لو اقتصر خطابه على كلمات معدودة، تكاد لا تفي بما يشكل "عبارة" في اللغة. وأما ما استقر عليه العرف من "بيان" يطول نصه أو تقصر حاشيته؛ فليس عرفاً ملزماً في أية حال؛ ولا سيما أن الدستور لم يضع أية "صيغة شكلية" (رسمية)، يفترض أن يكون "البيان" على نسقها.
وأما ما يترتب من نتيجة ملزمة من جراء انقضاء المهلة دون إنجاز "البيان" ؛ فهو نشوء حق مجلس النواب في أن يدعو الحكومة إلى المثول أمامه؛ وهو حق لم يكن يملكه قبل انقضاء المهلة. وآنذاك، يطرح رئيس الحكومة سياستها العامة (كونه رئيسها، يمثلها ويتكلم باسمها، ويعتبر مسؤولاً عن تنفيذ سياستها العامة؛ بحسب الفقرة الأولى من المادة 64/دستور؛ وكون استقالته تؤدي إلى استقالتها بحسب البند (أ) الفقرة 1 من المادة 69/دستور). ووقتذاك، يرتضي مجلس النواب ما طرحه رئيس الحكومة في كلامه/خطابه (أيّاً كان)؛ فيمنحها الثقة؛ أو إنه لا يرتضي ما طُرِحَ، فيحجب الثقة عنها.
وأما رئيس الجمهورية، فلا يمكنه أن يجتلب لنفسه صلاحية تقرير اعتبار الحكومة مستقيلة (باستنتاج من عنده؛ أو من عند غيره) خارج إطار صلاحياته المحدّدة بدقة في الدستور؛ انسجاماً مع توازن طائفي - مذهبي دقيق أرساه إتفاق الطائف. وهو لا يستطيع، ولا يجوز له - قانونياً ودستورياً - أن يدعو إلى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس الحكومة المكلف (عملاً بالفقرة الثانية من المادة 53/دستور)؛ فتلك صلاحية لا تُستنتج استنتاجاً من نص خاص؛ إذا لم يرد ذكر لها في الدستور.
وأما من حسنت نيته؛ أو اشتطّ به هوى سياسي وجنحت به رغبته إلى تفسير الدستور، وفقاً لغرض خاص ومصلحة ضيقة؛ فما هو أمر من شأننا.

← العودة إلى مختارات