إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مآسي الدول المشتقَّة - سمير عطالله (النهار)

 في الفيزياء تُولد القوَّة النووية من شَطر الذرّة. في الأمم يُولد الدمار من شَطر الشعوب وفصْل الهويّات. مسكينة الأوطان التي تُولد بهوّيتين. أو التي تشتقّ من وطن آخر.

اتُّهم "الانكليز" بأنهم اخترعوا "سياسة فرِّق تسُد". والتهمة ساذجة مارَسَتها روما من قبل. ومارَسَتها الإمبراطورية العثمانية في كل نواحيها. ولم يكن سيّدها هو فقط "السلطان" ومقرّه "الباب العالي" بل كان مفوّضه "الوالي" ونحن أرسل إلينا "متصرّفاً" يقضي في الناس وليس بينهم. تركَت الإمبراطوريات خلفَها روح الاستئثار، ومكَّنت ثقافة "الغيريّين" التَوراتية، أي كل مَن هو غير يهودي فهو ناقص وغريب. وحتى العنصر الإلغائي في الفكر اليوناني المتفتِّح والمتسامح، نظر إلى كل مَن هو خارجي على أنه "بربري"، محتكراً لنفسه وحدها صفة الرقيّ والتحضّر، وهي ثقافة ورَثتها روما فأطلقت الاسم على الألمان المهاجِمين، ولما قامت ألمانيا القوية في القرن الماضي، لم تعد فقط "فوق الجميع" بل أُعلِنَ العِرق الألماني عِرقاً متفوِّقاً مثل أفلام "سوبرمان" و"بات مان". ويقول النشيد البريطاني إلى اليوم "أحكم بريطانيا وسوف تحكم بريطانيا العالم". وبدل "سوبرمان" اخترع إيان فيليمنغ جيمس بوند الذي يتسلّق الأسوار ويرمي المجرمين في نهاية سعيدة لكل الأفلام التي تمتلئ أيضاً بسقوط الشقراوات بين ذراعيه كسقوطهن في سحر عمر بن أبي ربيعة: الكبرى والوسطى والصغرى دفعة واحدة وقولاً واحداً وجمعاً يكون.
إنه عالَم مؤسف، كما تعرفون. الناس تهوى المقارنة وقد حوَّلتها إلى علم في الآداب والتاريخ والقانون وسواها. لأن المقارنة في نهاية المطاف سند أو ذريعة. لذلك، منذ الساعات الأولى لأزمة أوكرانيا، تدفّقت المقارنات: برلين؟ كوبا؟ يوغوسلافيا؟ لا تعذّب نفسك في الذهاب بعيداً، فيها الكثير منّا. بأي معنى؟ بمعنى أنها قامت في الأساس على ثنائيتين: "القائمقاميَّتين". القوميَّتان، الطائفتان، والكتلتان، الدستورية والوطنية. الانتماءان، الشرق والغرب. عندما قرّرت أنقرة الأتاتوركية تشحيل الإمبراطورية التي أقامتها اسطنبول السلطانية، نسيت في الداخل الأكراد والعرب. كما نسيت خارجها أعداداً كبيرة من التركمان. وعندما تحوَّلت روسيا من اتحاد جمهوريات اشتراكية سوفياتية إلى فيديرالية روسية، نسيت الملايين من مواطنيها في الجمهوريات السابقة. منهم من عاد سريعاً من أرمينيا وطاجيكستان وأذربيجان وبشكيريا وسواها، ومنهم من اعتبر أن الديار دياره ولا غريب في الديار، كما في أوكرانيا الشقيقة.
بأي معنى تشبه أوكرانيا ديارنا؟ بمعنى أن التحولات قد تكاثرت عليها حتى صار من الصعب أن تحسم في أمورها: هل تعيدها إلى سكانها "الأصليين" من التتار الذين صاروا أقلية ضئيلة بعد الحروب والتهجير والتطهير؟ هل تعيدها إلى موسكو كما كانت أيام السوفيات قبل أن يجعلها نيكيتا خروشوف دولة "مستقلة" العام 1954، يوم لم يكن يخطر في بال أحد أن عَقد لينين سوف ينفرط؟ وإذا منحتها الأكثرية الروسية، ماذا تفعل بأربعين في المئة لا يريدون ذكريات الروس من أيام بطرسبرج إلى أيام لينينغراد إلى بطرسبرج من جديد؟
يجب أن تتذكر أن التغيُّر الكاسح لم يطرأ فقط على الجوار الروسي بل على المركز أيضاً. خلال سبعة عقود فقط انتقلت روسيا من القيصر الذي يملك كل الأرض، إلى القيصر الذي يملك جميع الناس. من القيصر المؤمن إلى درجة تصديق معجزات راسبوتين، إلى القيصر الذي يُعلن نفسه إله الأرض ويقفل الكنائس ويُرسل روّادها إلى سيبيريا. أي الذين هم أوفر حظاً. الباقون حلِموا بها ولم يروها. جعل ستالين من البقاء، في أي شكل، في أي مكان، حلماً وأمنية، وترك عشرات الملايين يردّدون مع المتنبي "كفى بك داء أن ترى الموت شافيا".
أحبطت المركزية المركَّزة تجربة الاتحاد السوفياتي بينما نجحت الفيديرالية الأميركية بعد حرب أهلية طاحنة. كان على الموسكوبي والبشكيري والأرمني أن يقرأوا في صحيفة واحدة وأن يعبدوا الأمين العام للحزب الشيوعي، إلى أن يُقلب أو يموت. في حين كان الأميركي في هاواي يقرأ صحيفته، والأميركي في ايداهو لا يعنيه اسم الرئيس، ومزارعو الدجاج في أركنساو يُرسلون الحاكم "النسونجي" بيل كلنتون إلى البيت الأبيض ومعه جميع عاداته القديمة في اختيار قليلات الحُسن. نفس قطّيعة!
عندما تبيَّن ليوري أندروبوف في الكي. جي. بي. أن لا قيامة لأي دولة دون حرية، وخطر لميخائيل غورباتشيوف بعده "البيريسترويكا" و"الغلاسنوست"، كان الأوان قد انقضى. كشفت القوميات المكبوتة عن وجهها وتدافَع المسلمون إلى المساجد واستعادت بطريركية الروم ألحان بيزنطيا من مكبّرات الصوت.
ظاهرة بشرية فظيعة فوجئت بها الساحة الحمراء: أن الناس لا يهمها كثيراً ريادة الفضاء والتفوّق بعدد الرؤوس النووية، بقدر ما تريد حصتها من الرز والبطاطا والقنّبيط من دون الوقوف في طوابير. فجأة، تحوَّلت "البرافدا" من بيانات الحزب إلى الإكثار من صوَر الجمال السلافي على أنواعه، ناهِد العزّ، مكتنز المعطيات. ودقّت الحرية أبواب الجمهوريات. وهَوَت التماثيل عن مواقعها. وأُبقي جثمان فلاديمير إيليتش معروضاً دلالة على تفوّق الأرمن في فن التحنيط، وليس ولاءً لخُطب البروليتاريا.
المزاح مع فلاديمير فلاديميروفيتش لا يُجدي. قرّر فوراً استدعاء نصف أوكرانيا إلى بيت الطاعة. تخيَّل أن يُطالب فرنسوا هولاند غداً باستعادة ولاية لويزيانا التي سمّاها مكتشف فرنسي مهووس على اسم ملكه لويس الرابع عشر. الخيار صعب: هل تلغي الماضي أم الحاضر؟ إلى كم من سنوات الاستقلال تحتاج الدول لتأكيد استقلالها؟ قرأت للزميل القدير أحمد أصفهاني كتاباً عن مي زيادة لا يَرِدُ فيه ذكر لبنان، لا كأرض مولدها ولا ميناء هجرتها إلى مصر، ولا مثواها الأخير. وُلدت مي في سوريا وهاجرت منها إلى القاهرة وعادت إلى كسروان السورية. قناعة لا علاقة لها بالعام 1920 أو 1943.
يمكن الروسي اليوم أن يقرأ كتاب الكونت تولستوي "رسوم من سيباستوبول" ليؤكد روسيّة المدينة. أحد أشخاص الكونت جندي روسي تُقطع ساقه من فوق الركبة، فماذا يفعل لكي يبدّد آلامه وأوجاعه؟ "المهم يا صاحب السعادة هو ألا تفكّر في الأمر. إذا لم تفكّر فيه، يخفّ الألم كثيراً. الوجع يأتي عادةً من "التفكير".
تروي النكتة النيويوركية أن راحيل لاحظت على زوجها حاييم عدم قدرَته على النوم، فسألته عن السبب، فقال إنه مَدين لجارهم صموئيل بمبلغ من المال غير قادر على إيفائه، فأسرعت إلى فتح النافذة ونادَت على الجار قائلة "صموئيل، حاييم غير قادر على إيفاء الدين". ثم تطلّعت إلى زوجها وقالت، اذهب ونَمْ فإن صموئيل لن يستطيع النوم بعد الآن.
قرّر بوتين أن الغرب هو مَن يجب ألاَّ ينام. لم يمنح المتصرّف الروسي في سيباستوبول الأوكرانيين أكثر من عشرة أيام للتحضير لاستفتاء العودة إلى روسيا. هل تخدمك ذاكرتك في البحث عن سابقة؟ ما رأيك – مثلاً – في الإنذار الذي أعطاه صدام حسين للكويت قبل الزحف عليها، باعتبارها المحافظة العراقية التاسعة عشرة؟ استخدم عبدالكريم قاسم الرقم نفسه العام 1961 وعيّن أمير الدولة قائمقاماً. آب 1990 عيَّن صدام رئيس حكومة، مدعوماً بمئة ألف جندي و70 دبابة. وقال "الرئيس" الجديد في ما بعد، أنه أُعطي امرأة ومهْرَها وقليلا من النثريات. هذا النوع من الديبلوماسية يتكرّر منذ أن وضع المسيو دو لا فونتين حكاية الحمَل الذي عكّر مياه النبع على الذئب. ولكن من أجل نسخة أكثر حداثة وعمقاً يستحسن قراءة جورج أورويل في "1984" أو "مزرعة الحيوان". أو أيضاً الروسي إيفان كريلوف، "الذئب والرعيان".
أراد العراق من الكويت مَخرجاً إلى البحر. أما سيباسستوبول فهي ميناء الأسطول الروسي على البحر الأسود منذ القرن الثامن عشر. لا شك إطلاقاً في جذور القٌرْم وهويته. ولكن هل تستطيع استعادة دولة مستقلة لأنك غيّرت رأيك؟ هل تستطيع روسيا أن تقول لأميركا، هذا هو الثمن الذي دفعتموه لولاية ألاسكا، مع الفوائد، فأعيدوها إلينا؟ عالم معقّد، كما سبق لنا أن اتفقنا مع جنابكم، ولا تزال أمثولة نابوليون على فاعليتها: الجغرافيا تصنع التاريخ. لا يهمّ أن روسيا هي أكبر بلدان الأرض. بوتين لا يستطيع العيش من دون "اسكتشات" تولستوي. سيباستوبول مطلّة على البحر الأسود وهَيبته الشخصية. لقد وصف انهيار الاتحاد السوفياتي العام 1991 بأنه أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين ولديه شعور بأن الغرب يُحاول تقليم، أو محاصرة، الإمبراطورية على رغم تخلّيها عن الشيوعية وعودتها عن الإلحاد. لذلك، استعاد لغة الأساطيل من القرن الثامن عشر فبادرته إدارة أوباما الى إرسال مدمرة يتيمة تشبه رحلة الحاملة "نيوجيرسي" إلى لبنان، ذهاباً وأياباً.
فريقان يرفعان الصوت: يا اهل القاطع، لا اميركا تريد إفساد العودة إلى الازدهار والتريليونات الخضراء بدل الحمراء، ولا روسيا الاتحادية تحتمل المزيد من تدحرج الروبل وانهيار البورصة. انها دولة رأسمالية و"بورجوازية صغيرة" الآن بعكس ما بشَّر به لينين، وتعاني أمراض الرأسماليين واعراض "البورجوازية الصغيرة". والقيصر لا يريد أن يقف مكتوفاً أمام خسارة أخرى كما حدث في يوغوسلافيا السابقة، أو في أوروبا الشرقية التي نطَّت من حلف فرصوفيا إلى حلف شمال الأطلسي.
لذلك سوف يستمر في خوضها حربين: نارية في سوريا وباردة في أوكرانيا. الواقعون بين الفريقين يدفعون الثمن. إنهم دائماً المساكين في طواحين الإمبراطوريات.

← العودة إلى مختارات