اعتذار من سايكس وبيكو وتعويل على أوباما وبوتين - جورج سمعان (الحياة)
تُعقد القمة العربية في الكويت في مرحلة استثنائية تداعت فيها معظم العناصر التقليدية للنظام العربي. وتبدلت فيها أيضاً منظومة العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية. ولم يعد مجدياً الاكتفاء بمقررات تقليدية في قضايا قديمة - جديدة. العواصف الضاربة في أرجاء المنطقة تحتم مواجهة التحديات والانخراط الكامل في كل الأزمات، وليس الهروب إلى أمام. تُعقد القمة في ظل تغييرات جوهرية تطاول جملة من القضايا التي ستخلف مآلاتها تأثيراً كبيراً في مستقبل المنطقة. فليس عادياً تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، في ظل مواجهة تتسع مع روسيا وتنذر بانبعاث أيام الحرب الباردة. وليس عادياً أن تتنامى قدرة إيران في ضوء التراجع العسكري الأميركي من أفغانستان بعد العراق، وتترسخ أقدامها لاعباً رئيسياً في رسم مستقبل سورية. ولاعباً رئيسياً في اليمن ولبنان. وليس عادياً أن تواصل رياح «الربيع العربي» عصفها هنا وهناك، فيما يسلك التغيير المنشود مسارات ومسالك قد تطول سنوات وسنوات قبل الخروج من حلقة الفوضى والعنف والاقتتال الأهلي والمذهبي والعرقي.
لعل أولى مهمات القمة، أو الجامعة أن تتدارك الأخـــطار التي تهدد بانهيار هذا البيت العربي الذي كـــاد أن يتحـــول بـــيوتاً متصارعة متناحرة تهدد ما بقي من جامع بين أهل المنطقة. وأن تنكب على تحديد العـــلاقة بين العوامل والعناصر الداخلية في كــــل دولها، والعوامل والعناصر الإقليمية والدولية التي تـــلعب دوراً رئيسياً في توجيه الأحداث والتطورات. وتسعى إلى دفع الرياح في اتجاه يخدم مصالح الخارج المعني بمسارات التغيير التي حملها ويحـــــملها «الربيع العربي». إن أداء دور فاعل في إدارة التداخل بين هذه العوامل سيحدد لمن الغــــلبة. فإما تـــصادم مبكر مع هذه المؤثرات، أو تــناغم وتفاهم لا بد منهما في ظل تشابك المصالح الدولية في منطقة استراتيجية كالمنطقة العربية.
في رأس العوامل التي ستترك آثارها على مستقبل المنطقة انتقال العلاقات الدولية إلى طور من التــــصادم بين الولايات المتحدة وروسيا، في ضوء ما يجري في أوكرانيا. الكرملين لن تقف طموحاته عـــند حدود القرم. وإذا كانت سورية لا تكفيه باباً واسعاً في قلب الشرق العربي، فإن موسكو لوحت في نزاعها مع أوروبا وأميركا اليوم باستخدام الملف النووي الإيراني ورقة كانت ولا تزال تلقي بظلها عــــلى أهل الخليج جميعاً. وما قد يضاعف أخطار هذا التــــحول الدولي مواصلة الإدارة الأميركية التركيز على المحيط الهادئ وبحر الصين، بعيداً من هموم الشرق الأوسط. هذا التغيير الاستراتيجي يستدعي من القادة العرب البحث في إعادة التموضع، وإعادة النظر في العلاقات الدولية. لطالما نادى أهل الجامعة من عقود بوجوب إقامة شبـكة علاقات ومصالح تتجاوز المقولة المأثورة أن كل الأوراق بيد واشـــنطن في المنطقة. أمامهم روسيا التي تعود إليهم من بابَي سورية وإيران. والصين على الأبواب أيضاً. حاضرة في معظم أفريقيا تقريباً. وفي كل جمهوريات آسيا الوسطى. وترتبط بعلاقات اقتصادية واسعة مع إيران. أما أوروبا التي عول العرب عليها طويلاً سعياً إلى توازن مع أميركا «لعل وعسى» تعينهم على حل قضية فلسطين، أثبتت في أزماتها الكثيرة أنها لا يمكنها الخروج من الفلك الأميركي.
يجيء هذا المعطى الدولي الجديد، فيما الحراك الذي يعصف بعدد من دول الجامعة طوى صفحة النظام العربي القديم برمته. ولم يصل التغيير إلى مبتغاه. بل تكاد الآمال به أن تتبدد، بفعل الصراعات والأزمات والنزعات الانفصالية وتنامي قوى الإرهاب التي خلفها ويخلفها «الربيع العربي». وغني عن القول إن الشباب العربي الذي ملأ الميادين والساحات يجد نفسه اليوم بين خيار العودة إلى صورة الماضي القريب من الأنظمة، أو خيار الرضوخ لهجوم «الإخوان» وغيرهم من القوى الإسلامية التي تتصارع للاستيلاء على السلطة وأنظمة الحكم. ولكن، على رغم ذلك لم تتوقف دينامية التغيير. بل هي تمعن في تفكيك العلاقات القديمة داخل المجتمعات الواحدة. ولا تبـــدو الصورة التي حملها «الربيع» وردية: «ثورتا» مـــصر أعادتا إحياء دور المؤسسة العسكرية، لكن «حنين» بعضهم إلى استنساخ تجارب سابقة وقديمة، قد لا يكون في محله. والذين خرجوا في «ثورتين» قد لا يتــــرددون في إشعال ثالثة. تبدل الشعب المصري. ولا شك في أن بقاء الانقسام الأهلي على حاله وتــــفاقم الأزمة الاقتصادية لا يشكلان تهديداً لمستقبل الوضع في هذا البلد فحسب، بل يشلان قدرته على استعادة دوره القيادي في الجامعة. ولا تكفي القوة العسكرية والبشرية من دون رافعة اقتصادية متينة تتيح للقاهرة أن تخرج لحماية الأمن العربي، كما في سابق الأيام. في الخليج بمواجهة إيران أو العراق، أو في بلاد الشام بمواجهة إيران وتركيا. أو في شمال أفريقيا لحماية ليبيا وتونس وغيرهما.
الصورة ليست وردية: النظام في دمشق قاوم ويقاوم محاولات التغيير أو الإصلاح على الأقل. ويخوض حرباً مع خصوم كثيرين. وتكاد سورية أن تفرغ من سكانها الذين ملأوا دول الجوار. وتحولت مرتعاً لقوى التشدد. والأخطر من ذلك، في غياب أي أفق لتسوية سياسية، يعجل اشتداد الحرب الأهلية في رسم حدود ثابتة لدويلة هنا ودويلة هناك. وكان العراق سبق إلى ما يشبه هذه الحال مع إعادة توليد نظام شمولي لم تفلح كل صور الديموقراطية في تغطية مآلاته وما يولد من نزاعات تهدد النسيج الوطني ووحدة البلاد. علماً أن بغداد جهدت لاستقبال القمة العربية قبل سنتين لتوكيد تحررها من آثار القوات الأميركية، وعودتها إلى حضن الجامعة. لكنها خرجت من عباءة أميركا إلى عباءة إيرانية أكثر ثقلاً دفعتها بعيداً من جيرانها، خصوصاً أهل الخليج. وتخوض حكومتها صراعاً دموياً مع المحافظات السنّية، ولا تعرف كيف تمارس سلطاتها المعدومة في كردستان. وتفتح حكومتها معركة مع السعودية وقطر والبحرين، فيما تصطف مع الجمهورية الإسلامية وسورية وبعض لبنان في حلف طهران وسياساتها.
ولم تكن نتائج الحراك في ليبيا واليمن أفضل حالاً. خلف حتى الآن صراعات جهوية وقبلية، ودينية بين حركات الإسلام السياسي. يتجاوز النزاع بين برقة في الشرق والأقاليم الغربية ليمتد إلى الجنوب ومناطق في الغرب تبدو فيها القبائل أو الحاضرة هي المرجع وليس الدولة المركزية في طرابلس التي أعلنت الحرب على الإرهاب في ثلاث مناطق هي بنغازي وسرت ودرنة. وهو ما سيصعد الصراع بين السلطة الانتقالية وأهالي هذه المناطق. وتجهد صنعاء لمنع انفصال الشمال فيما الحوثيون على أبوابها، والجنوب لم يوقف «حراكه» نحو الاستقلال. و «القاعدة» يواصل نشاطه بلا كلل... ناهيك عن السودان الذي بات سودانين ويتقدم في مسيرة التشظي، فيما النظام يحاول الترقيع هنا وهناك. مرة مع الداخل القريب ومرة مع الخارج. ويعاني عزلة دولية ونقمة من غالبية عربية بسبب العلاقة مع إيران والتسهيلات التي يقدمها إلى أسلحتها المتدفقة هنا وهناك. وسبقت فلسطين كل هؤلاء، تتنازعها سلطتان في غزة والضفة. ودفعها «ربيع» العرب إلى آخر السلم طعماً للمستوطنين الزاحفين على ما بقي من القدس والضفة الغربية.
أفضى «الربيع» حتى الآن إلى صورة غامضة لمستقبل وحدة الدولة العربية التي تتجه نحو مزيد من التفتت والانفصال في حمأة الصراع على السلطة بين مكونات طائفية ومذهبية وعرقية. وفي التناحر بين قوى الإسلام السياسي وتنامي ظاهرة إرهاب المتشددين في السباق إلى إمارة هنا أو هناك... على وقع حبل مشدود من التوتر المذهبي الواسع بين السنّة والشيعة. وكشف «الربيع» الساحات العربية أمام القوى الإقليمية والدولية لتصفية حساباتها وعقد صفقاتها. وساهم اختلاف بعض الحكومات في التعامل مع هذا «الربيع»، وحضور إيران الواسع في عدد من العواصم والنواحي العربية، في زعزعة ما بقي من تضامن بين العرب. وألحق ضربة بمجلس التعاون الخليجي الذي بات يحتاج إلى إعادة نظر في علاقات دوله في ما بينها قبل البحث في توحيد رؤيته لما يجري حوله، أو تنسيق السياسات بالحد الأدنى لئلا تزداد الهوة بين أعضائه.
أين القمة أو الجامعة من هذا الحــــراك الداخلــــي والخــــارجي الذي يقلـــــب مفاهيــــم وثقافات وأنظمة؟ أي شـــيء يبقــى من «الجامعة» التي هدفت منذ قيامها إلى توحيد الجهود العربية؟ البيت العربي الواحد الذي جهدت لبنائه سقفاً لحماية العرب وتعزيز لحضــورهم يتحول تدريجاً إلى بيت بغرف كثيرة لا رابط بينها. تتعدد أهواؤها تعدد أقلياتها ومذاهبها وإثـــنياتها. حتى بات المواطن العربي يترحم على اتفـــاق الســـيدين فرنسوا جورج بيكو ومارك سايكس. وربما كان عـــليه مستقبلاً الاعتذار عما ألحق بهما من نعوت وأوصاف! لن يفيد الجامعة وقمتها مواصلة التعويل على تبدل في سياسة الرئيس باراك أوباما الذي لا يملك ما يرد به على نظيره الروسي فلاديمير بوتين سوى الأمل بألا يقضم المزيد من أوكرانيا، ومواصلة التعاون في ملفي إيران وسورية، والذي لن يستطيع مرة ثانية إرغام بنيامين نتانياهو على وقف مستوطناته التي تكاد أن تبتلع ما بقي من القدس وأرض فلسطين. لن يفيد الجامعة وقمتها توسل المساعدة والتفهم من واشنطن أو موسكو أو انتظار تبدل الأحوال والسياسات في هذه العاصمة وتلك. ترميم جدران البيت أولوية لوقف تداعيه وسط حراك تتداخل فيه عوامل سياسية ودينية ومذهبية وإثنية وقبائلية وجهوية، وتتصارع فيه مصالح ومطامح لقوى إقليمية ودولية. سيهدر وقت طويل قبل أن تستعيد المنطقة استقرارها وسلمها، فهل ترقى الجامعة إلى مستوى التحدي؟
للكاتب