إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

التعددية في المجتمعات العربية - محمد السماك (المستقبل)

في المغرب ضجة. هل يحق لمواطن أن يختار الاسم الذي يريد لمولوده؟ قد يبدو السؤال مستغرباً. ولكن الإجابة عليه تقع في صلب اشكالية التعددية العرقية والثقافية في المغرب.

أحد مستشاري الملك محمد السادس أندريه ازولاي وهو يهودي، وصف المغرب بأنه «يجسد خيارات مجتمع يعترف بخصوصيات كل مكون من مكوناته ويحترمها». وفي مؤتمر «الحوار الفلسفي والموسيقي بين الأديان» الذي عقد في بلجيكا مؤخراً، قال المستشار «أن المجتمع المغربي الذي صقله التقارب بين مكوناته العربية والاسلامية والأمازيغية (البربرية) والصحراوية الحسانية، تغذى وتعزز بروافده الافريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية».

هذه الصورة عن التنوع المغربي الغني دينياً وثقافياً وعنصرياً تبدو متناقضة مع السؤال عما إذا كان يحق للمواطن أن يختار الاسم الذي يريد لمولوده؟

من المعروف أن ثمة الملايين من المهاجرين المغاربة الذين ينتشرون في العديد من الدول الأوروبية ويحملون جنسيتها. وبين هذه الدول ألمانيا. وفي العاصمة برلين تقدم عامل مغربي مهاجر يتحدر من أصول أمازيغية ويعمل في مدينة هامبورغ من قنصلية بلاده لتسجيل مولوده الجديد بعد أن اختار له اسم «إيلان». رفض القنصل قبول الاسم باعتبار انه مخالف للقانون. وطلب من المواطن أن يختار اسماً آخر. ولكنه أصر على اسم «إيلان»، واعتبر رفض القنصل للاسم انتهاكاً لحقوقه الانسانية ولحقوقه كمواطن. ومن هنا قامت الضجة.

فالاسم إيلان، يعني باللغة الأمازيغية، آية. وفي القانون المغربي كما أوضحت وزارة العدل: «ان الاسم الشخصي المختار ينبغي ان يكتسي طابعاً مغربياً، وأن لا يكون اسماً عائلياً او اسماً مركباً من أكثر من اثنين أو أن يكون اسم مدينة أو قرية أو قبيلة، وأن لا يكون مشفوعاً بأي كنية أو صفة مثل «مولاي» أو سيدي» أو «لالة» «.. (و»لالة» هو لقب تخص به السيدات وخاصة أميرات الأسرة المالكة).

تبنت «الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة» وتعرف باسم «ازفا»، وهي جمعية أهلية مغربية تدافع عن الحقوق اللغوية والثقافية للأمازيغ، القضية مدافعة عما اعتبرته حق المواطن في أن يختار الاسم الذي يريد والذي يتوافق مع لغته وثقافته. غير ان وزارة العدل، واستناداً الى ما يعرف في المغرب بالدفتر العائلي، أيدت موقف القنصل في برلين ورفضت الأخذ باعتراض الجمعية الأمازيغية.. الأمر الذي ادى الى مزيد من الضجة !!..

خرج المغرب من الانتداب الفرنسي الطويل في عام 1956 ثنائي اللغة. كانت الفرنسية تطغى حتى على اللغة الأم العربية. وكافح المغرب طويلاً من أجل تعريب المؤسسات الرسمية والخاصة.. وكذلك برامج التعليم. ولكن ما ان تحرر المغرب من الثنائية العربية الفرنسية حتى دخل في ثنائية من نوع آخر، عربية أمازيغية.

ولكن اذا كانت الفرنسية دخيلة على المغرب، فان الأمازيغية أصيلة فيه. وهي مكون اساسي من مكوناته. غير انه لم يكن للغة الأمازيغية تراث علمي أو ثقافي غني. بل وحتى وقت قصير كانت لغة محكية لا أحرف أبجدية لها. هذا الواقع تغير الآن. وأصبحت الأمازيغية لغة رسمية وطنية. حتى ان بعض أعضاء مجلس النواب من الأمازيغ يصرون على التحدث بها أثناء مناقشات المجلس مع علمهم بأن الأعضاء الآخرين من غير الأمازيغ لا يفهمونها. وقد ذهب هؤلاء الى مطالبة الحكومة بالرد على أسئلتهم واستجواباتهم باللغة الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية، الأمر الذي أعطى الضجة أبعاداً تصعيدية أخرى.

ففي المغرب اليوم صحف ومجلات تصدر بالأمازيغية. كما ان هناك اذاعات ومحطة تلفزيونية محلية لا تنطق بغير الأمازيغية. ومع ذلك فان الاذاعة والتلفزة الوطنية التي تشرف عليهما الدولة تراعي عدد الساعات المخصصة للبث الاذاعي والتلفزيوني باللغة الأمازيغية.

وتقوم «الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة» بمراقبة ساعات البث للتأكد من عدم إلحاق أي غبن بحقوق الأمازيغ.

ليس التنوع جديداً في المغرب، ولكن الجديد هو صيغة التعامل مع هذا التنوع وطريقة ادارته. ففي مشرق العالم العربي قليلاً ما فهمت الأسباب الحقيقية وراء اللقب الذي يحتفظ به ملك المغرب وهو «أمير المؤمنين». فالملك، وبما يحمله لقب أمير المؤمنين من معان، يشكل أساس الوحدة الوطنية بين المغاربة العرب والأمازيغ وجميعهم مسلمون. ولم يفهم المشرق مبدأ أبعاد الانفتاح المغربي على الأمازيغية لغة وثقافة في المغرب الا بعد أن وصل الانغلاق على الكردية، عنصراً وثقافة ولغةً، الى حد الصدام المسلح في كل من العراق وتركيا وايران وحتى سوريا قبل ثورتها الاخيرة. فمحاولات طمس الهوية الكردية وإنكارها والتنكر لها، فجر العلاقات الكردية مع كل هذه الدول.

فالهوية العربية توحد قومياً بين المسلمين والمسيحيين. ولكن للأكراد هويتهم القومية الخاصة، وللأمازيغ هويتهم القومية الخاصة أيضاً. ولا يغير من هذه الهوية انتماءهم الى الاسلام. كما لا يغير تمسك المسيحيين بدينهم وبحريتهم الدينية من هويتهم العربية، بل انه يزيدها اصالة وعمقاً.

ومنذ ان وقعت الاضطرابات في عام 1982 في مدينة تيزي أوزو بالجزائر، والتي أوقعت العديد من الضحايا، بدا واضحاً أن المغرب والجزائر حيث يتجمع الأمازيغ بأعداد كبيرة، يحتاجان الى انتهاج سياسة ادارة التنوع على قاعدة احترام الخصوصيات القومية في اطار الوحدة الوطنية. والأمازيغ في ليبيا يرفعون ظلامتهم عالياً اليوم مطالبين باحترام حقوقهم القومية في اطار وحدة الدولة.

يجمع علماء الاجتماع على ان ادارة التنوع عملية سياسية اجتماعية صعبة ومعقدة. ولكنها ليست مستحيلة. وانه مهما كان الثمن الذي يدفع من أجل احترام حقوق الأقليات غالياً كما تشير الحالة المغربية، فانه لا يساوي شيئاً أمام النتائج السلبية التي تترتب على شعور هذه الأقليات بالغبن. ذلك ان هذا الشعور قد يدفعها الى العصيان المسلح، كما يجري في تركيا، وحتى الى الانفصال كما يجري في العراق.

صحيح ان «العولمة» تظلل مجتمعات العالم، الا ان «نرجسية الاختلافات» كما يسميها فرويد، لا تزال وستبقى متأصلة في هوية كل مجتمع. وهي لا تزال قادرة على إطلاق كوامن الذاتية الوطنية لغوياً أو ثقافياً أو دينياً أو عنصرياً. وصمام الأمان في ذلك هو الاعتراف بهذه الاختلافات واحترام شرعيتها. فالاعتراف يحول دون اضطرار بعضها أن يدير ظهره للآخر.. والاحترام يبدد كوابيس الشعور بمحاولات الإلغاء والتدجين. ومن دون الاعتراف والاحترام تبقى الوحدات الوطنية معرضة للتصدع، ويبقى السلم الأهلي معرّضا للاهتزاز.



 

← العودة إلى مختارات