الانتخابات ضمن المهلة تأتي برئيس "لبناني" أما الفراغ فيأتي برئيس من صنع الخارج - اميل خوري (النهار)
إذا كان الزعماء والنواب في لبنان يريدون حقاً رئيساً للجمهورية من صنعهم وليس من صنع أي خارج، فما عليهم إلا الذهاب إلى مجلس النواب ومواصلة جلسات الانتخاب الى أن يفوز مرشح من المرشحين بالأكثرية المطلوبة. أما إذا كانوا يريدون رئيساً من صنع الخارج يهبط عليهم بالمظلة فما عليهم سوى عدم الحضور إلى مجلس النواب لتعطيل نصاب الجلسات إلى أن تنتهي المهلة الدستورية المحدّدة لانتخاب رئيس للجمهورية. وعندها تصبح يد الخارج أقوى وأطول في اختيار رئيس للبنان، وما على الأحزاب والكتل التي تتأثر بكلمة الخارج سوى الانصياع والقبول، وإن كانت مكرهة على ذلك. والمصيبة الكبرى على لبنان هي في عدم توصّل الخارج المتعدّد الهوية والاتجاه إلى اتفاق على اختيار هذا الرئيس فيبقى لبنان عندئذ من دون رئيس وربما من دون حكومة فيدخل فوضى المجهول.
صحيح أن الخارج كان ولا يزال له كلمته في انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان، لكن هذه الكلمة كان يقولها خلال المهلة الدستورية المحدّدة لانتخابه وليس بعد انتهائها وتعريض البلاد لضغط الفراغ وعواقبه. فالجميع يذكر أن بريطانيا كان لها دور في انتخاب الشيخ بشارة الخوري رئيساً للجمهورية ومن بعده كميل شمعون، كما كان لمصر عبد الناصر بالتفاهم مع أميركا الكلمة في انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً، وللفاتيكان بالتفاهم مع اميركا ودول أوروبية الكلمة في انتخاب شارل الحلو رئيساً، ولاسرائيل كلمة في انتخاب الشيخ بشير الجميل ثم شقيقه الشيخ أمين، إلى أن كان لسوريا كلمتها الحاسمة في انتخاب كل رؤساء الجمهورية بعد انتخاب سليمان فرنجيه رئيساً والذي كان انتخابه، للمرة الأولى، من صنع لبنان. وكان أخيراً وليس آخراً لمؤتمر الدوحة كلمته في تأمين النصاب لانتخاب من تمّ التوافق عليه وهو العماد ميشال سليمان.
لقد كان الخارج يتدخل في الانتخابات لمصلحة هذا المرشح أو ذاك خلال المهلة الدستورية خشية الفراغ وليس بعد انتهائها. ويخشى أن يكون لبعض الخارج اليوم مصلحة في إحداث فراغ يجعل منه ورقة ضاغطة لحمل الأكثرية النيابية على انتخاب مَن يريده رئيساً للبنان ويكون من صنع هذا الخارج.
إن اعلان الدكتور سمير جعجع ترشحه لرئاسة الجمهورية يفتح باب الترشح لكل مَن يرغب، لا أن ينتظر بعض الطامحين الى الرئاسة لعبة الخارج.
لذلك على الزعماء في لبنان وعلى النواب إذا كانوا يريدون رئيساً للجمهورية من صنعهم أن يذهبوا إلى مجلس النواب ويحضروا جلسات الانتخاب، وألا يغادروها إلا وقد تم انتخاب رئيس للجمهورية، تماماً كما يفعل المطارنة عند انتخاب بطريرك وكما يفعل الكرادلة عند انتخاب بابا الفاتيكان. أما إذا كانوا لا يريدون ذلك بل يريدون أن يتركوا للخارج، بعد إدخال البلاد مرحلة فراغ مخيفة، اختيار رئيس للبنان، فعندها يتحملون وحدهم ولا سيما الموارنة، مسؤولية إحداث هذا الفراغ ليس لأنهم لم يتفقوا على مرشح واحد بل لأنهم لم يتركوا اللعبة الديموقراطية تأخذ مجراها في انتخاب الرئيس بحيث يخوض مرشح من 8 آذار المعركة منافساً لمرشح 14 آذار، حتى إذا لم ينل أي منهما الأكثرية المطلوبة فينبغي عندئذ الافساح في المجال لمرشحين آخرين في 8 و14 آذار أو من خارج هذين التكتلين الى أن يتمّ التوافق على مرشح ينال الأكثرية المطلوبة ليكون رئيس الوفاق الحقيقي والشامل بين اللبنانيين وزعمائهم على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم لأن لا وحدة وطنية بدون وفاق، ولا استقلال دائماً وثابتاً ولا أمن ولا استقرار من دون هذه الوحدة.
إن الرئيس بري إذا ما دعا إلى جلسة انتخاب رئيس للجمهورية منتصف الشهر الجاري، فلا يبقى من المهلة الدستورية سوى شهر واحد، وبعدها تبدأ مهلة العشرة أيام التي تنتهي في 25 أيار وخلالها يجتمع مجلس النواب حكماً إذا لم يدع لانتخاب رئيس للجمهورية ولا تعود المسؤولية تقع عندئذ على رئيس المجلس بل على المجلس كله.
إن الزعماء في لبنان وتحديداً الموارنة يتحملون مسؤولية حصول فراغ في أعلى منصب في الدولة مخصص لهم إذا لم يدعوا اللعبة الديموقراطية تأخذ مجراها الطبيعي في انتخاب المرشح الذي ينال أصوات الأكثرية المطلوبة، بل تركوا للخارج اختيار رئيس في فترة الفراغ ولا يكون الرئيس المنشود، أو يستمر الفراغ إلى أجل غير معروف إذا لم يتفق الخارج على اختيار رئيس...
لقد أعلن البطريرك الراعي أن الرئيس لن يكون من 8 ولا من 14 آذار بل من خارجهما، وقد يكون هذا أقرب إلى الواقع، ولكن على مجلس النواب أن يجرب انتخاب مرشحين من 8 و14 آذار حتى إن لم يفز أي منهم بالأكثرية المطلوبة فإن الانتقال للبحث عن مرشح يفوز بهذه الأكثرية يصبح واجباً وطنياً لأنه يظل أفضل بكثير من الفراغ.