درس في الديمقراطية! - كريم مروّه (المدن)
هكذا تكون الديمقراطية أو لا تكون. فمن تعجبه هذه الديمقراطية عليه ألا يتأخر في الالتحاق بها. أما أولئك الذين لا تعجبهم لا تروق لهم ولا تتلاءم مع مفاهيمهم عنها فليبلطوا البحر!
هذا الكلام هو بالتأكيد تعبير فظ عن أحد النماذج المستهجنة للديمقراطية في البلدان التي تسود فيها أنظمة استبدادية أو تسود فيها أيديولوجيات مستبدة. فما هي هذه الديمقراطية وما هي سماتها وصفاتها، ومن هم أصحابها، وما هي نماذجها، وفي أي مكان تظهر في هذا العالم الذي تهزه العواصف من كل الجهات، وفي أي زمان من الأزمنة الحديثة تجري فيها ممارسة هذه الديمقراطية الفريدة؟!
لا تستغرب أيها القارئ العزيز أينما كنت إذا ما أخبرتك بأن من أطلق مثل ذلك القول الفصل أو ما يشبهه في تحديد معنى الديمقراطية وفي شكل ممارستها في السياسة هم لبنانيون. لكنني أتمنى عليك ألا تستعجلني في إعطاء سمات وصفات للقوى التي تتبنى مثل هذه الديمقراطية. فالاستعجال في القول إنما يحمل معه مخاطر الإطلاق في الأحكام. وأنا ممن لا يطلقون الأحكام. فمهلاً...
أود في البداية أن أذكر من لا يتذكر بأن لبنان وطن صعب. وللصعوبة، كصفة رافقت لبنان منذ الاستقلال، أصولها التي تعود إلى التعدد والتنوع في الشخصية اللبنانية. وهما تعدد وتنوع يشيران إلى الفرادة والغنى اللذين يعبّران في المبدأ عن هذه الشخصية اللبنانية في المجتمع اللبناني العريق. لكن الواقع المؤسف المثير للمرارة هو أن اللبنانيين قد تعاملوا منذ عقود مع هذين التعدد والتنوع في الاتجاه النقيض لما يشيران إليه من فرادة وغنى. فكان الصراع بين هذه المكونات المتعددة المتنوعة هو الذي ساد، وكانت الحروب الأهلية استكمالاً لهذا الصراع، وكان الاستئثار بالحقيقة ورفض الآخر كصيغة هجينة للعلاقات في المجتمع، وكانت الصعوبة التي أتسمت بها حياة الوطن وجعلت الوطن صعباً وجعلت اللبنانيين يعانون المشاكل والأزمات على امتداد هذه الأعوام الثمانين من عمر الاستقلال. هنا بالذات يكمن أساس المشكلة المأساة في حياة لبنان واللبنانيين. وعلينا أن نعترف، نحن اللبنانيين جميعنا من دون استثناء، بأن مأساتنا تكمن في أننا لم نتعلم، قيادات وجماهير، من الدروس والتجارب والكوارث، وما أكثرها، التي عشناها وما نزال نعيشها ونعاني منها، ولا نعرف كيف ومتى نخرج منها إلى غد أفضل.
إن المنطق الذي يحكم التعدد والتنوع في المجتمعات البشرية هو الاعتراف بالآخر، كشرط ضروري للتعايش، حتى في ظل هذا الاختلاف مع الآخر. لكن المنطق الذي ساد في المجتمع اللبناني على امتداد هذه الأعوام الطويلة من عمر الاستقلال كان يقوم على الوهم الذي استولى على مختلف المكونات السياسية وغير السياسية اللبنانيين، الوهم بأن كلاً من هذه المكونات كان يتصور أنه ومعه مشروعه السياسي بجوانبه المختلفة هما اللذان يجب أن يسودا في البلاد حتى ولو احتاج الأمر للاستقواء بخارج ما من أجل فرض مشروعه على الآخرين بالقسر. فكانت الكارثة التي ما تزال تستولي على حياة اللبنانيين وعلى عقولهم وعلى طرائق ممارستهم للسياسة، باسم الديمقراطية وضدها، وتمنع قيامة الوطن وقيام الدولة المدنية الحديثة، دولة الحق والقانون، التي صارت شرطاً ملزماً ومعترفاً به كقانون أساسي وكوظيفة للدول في العالم المعاصر.
انطلاقاً من هذا التذكير بالصعوبة التي أعطيتها للوطن اللبناني كصفة قديمة وراهنة، أعود إلى الحديث عن الديمقراطية كما يراها ويتعامل معها في السياسة السياسيون اللبنانيون الذين يحتكرون العمل السياسي ويحتكرون ساحاته وميادينه ويجرون وراءهم، بالوعي أحياناً وبالغرائز في معظم الحالات، أقساماً واسعة من الناس بمن فيهم المثقفون. أعود للحديث لأقدم توصيفاً للديمقراطية وفق ما يشير إليه المشهد اللبناني الراهن سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وأمنياً وفي كل ما يتصل بالوطن وبالمواطن. فماذا يقول هذا المشهد في موضوع الديمقراطية اللبنانية؟!
يقودني هذا المشهد باختصار إلى تقديم ثلاثة نماذج من المدارس السياسية باسم الديمقراطية التي يختلف المنتمون إليها في شكل ممارستهم لها، إما احتراماً بقدر معين لما تم التوصل إليه في العالم المعاصر من أصول للديمقراطية كنظام سياسي وكطريقة حياة، أو رفضاً لتلك الأصول لأسباب أيديولوجية أو تأميناً لمصالح من شتى الأنمواع. والأساس في هذا التصنيف الذي أعطيه للمدارس الثلاث هو أن السياسة فن. ولأن السياسة فن فقد استعرت أسماء لهذه المدارس من أسماء المدارس المتعارف عليها في الآداب والفنون. وهذه المدارس هي المدرسة السوريالية كمدرسة صعبة على الفهم، لوالمدرسة الواقعية لأنها تتعامل مع الواقع، والمدرسة الرومانسية لأنها تحلم بالمستقبل خارج الواقع. ولكل من هذه المدارس السياسية للديمقراطية سماتها وصفاتها التي يلتزم بها بفخر المنتمون إليها.
لنعرض باختصار كيف يفهم الديمقراطية كل من أصحاب هذه المدارس وكيف يتعاملون معها في السياسة. يعتبر أصحاب المدرسة السوريالية في فهم الديمقراطية بأنها تعطيهم الحق في اختيارهم لنوع الحرية التي يرونها مطابقة لأفكارهم ولمشاريعهم وربما لأيديولوجياتهم. ويطلبون من الآخرين احترام حريتهم تلك في تحديدهم هم وحدهم لصيغتها. ويدعونهم للانخراط معهم في مشروعهم، إما في صيغة التزام كامل به، أو في صيغة توافق حوله. فإذا رفضوا الانضمام إلى ذلك المشروع وإلى أصحابه فإنهم يتحملون وحدهم المسؤولية عن موقفهم السلبي أمام اللبنانيين. وتتلخص الترجمة العملية لموقف أصحاب هذه المدرسة الذين يستندون فيه إلى فائض القوة عندهم أو إلى أمور أخرى، كما يشير إلى ذلك بوضوح المشهد السياسي في الانتخابات الرئاسية وفي سائر سائر شؤون البلاد، تتلخص الترجمة العملية بهذه الكلمات: إما هم ومشروعهم أو لا أحد، أو لا بلد! فهكذا يفهمون معنى الحرية في ممارسة السياسة باسم ديمقراطيتهم. أليسوا أحراراً في خيارهم كما تقول المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية؟! ووفق هذا المنطق فإن من لا يسير معهم طوعاً ومن لا يعجبه موقفهم فليبلّط البحر!
تلك هي سمات وصفات المدرسة السوريالية للديمقراطية في لبنان كما تشير إليها الوقائع. أما أصحاب المدرسة الواقعية فينقسمون إلى فريقين. الفريق الأول هو الذي يؤمن بالديمقراطية التوافقية ويدعو لها ويعتبرها الحل الوحيد للاستقرار وللسلم الأهلي. أما الفريق الآخر فيرى، وفق التجارب التي مرّ بها لبنان، أن للديمقراطية معنى واحداً لا يحتاج إلى ترجمة وشرح وتفصيل، يقوم على احترام التعدد والتنوع كأساس لوحدة الوطن والشعب، وكأساس للتنافس الديمقراطي بين المشاريع وأصحابها الذي تعبّر عنه من جهة صناديق الاقتراع، ويعبّر عنه من جهة ثانية قيام الدولة بوظائفها كاملة. والمبدأ هنا وهناك لدى الفريقين في هذه المدرسة هو أن السياسة هي فن الممكن. وهذه المدرسة هي المدرسة التي يعتبر أصحابها أن الديمقراطية التي ينتمون إليها هي الديمقراطية التي يجرى التعامل معها في العالم المعاصر. وواضح كم هو عميق الاختلاف بين المدرسة السوريالية والمدرسة الواقعية بفريقيها. وهو الاختلاف الذي ما يزال يمنع قيامة الوطن ويمنع قيام الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون، في وطننا اللبناني الصعب!
يبقى أن أشير إلى المدرسة الرومانسية التي يحمل أصحابها مشاريع وأهدافاً غير قابلة للتحقيق، يعبّرون فيها عن أحلام لا يمكننا إلا أن نحترمها، لكنها أحلام يقفز أصحابها فوق الواقع، من دون أن يحسبوا حساباً للمستقبل. إنهم يقولون كلمتهم ويمشون. لكن إلى أين؟!
تلك هي المدارس الديمقراطية الثلاث التي ينعم بها لبنان. وهذه المدارس، إذ تتعايش مع بعضها بصعوبة، فإنها تجعل لبنان، في تعايشها الصعب، يعيش في أزمة دائمة لا أفق قريباً لحلّها. الأمر الذي يجعل مصير بلدنا في هذه الأيام مثله في أيام سابقة مرهوناً بالقوى الخارجية من كل الجهات والاتجاهات.
وبعد أليس ما قدمته من "هرطقة" في هذه الكلمات ما يشير إلى درس حقيقي في الديمقراطية؟!
لكنني مع ذلك محكوم بالتفاؤل بالمستقبل رغم أنفي ورغم أنف الوقائع الصعبة.