مفتاح التقدّم - غسان العياش (السفير)
مهما اختلفنا في تفسير التطورات العربية الأخيرة وتقييمها، فإن المشهد، من إحدى زواياه، واضح لا يحتمل أي تأويل.
ما كنا نسمّيه «النظام العربي» أعاد «تشريع نفسه» واحتلال بعض مواقعه السابقة في السلطة، برغم اختلاف الشكل والتفاوت في النجاح بين بلد وآخر. وقد اكتسب «النظام العربي» مشروعيته الجديدة من المخاوف التي أثارتها نهضة القوى المتزمتة والمتخلّفة، التي سرقت الراية من روّاد الربيع العربي. كما اكتسب مشروعيته من فشل القوى الديموقراطية، التي بدت لوهلة أولى أنها صورة الغد العربي الأفضل، قبل أن تتعثر بصراعاتها «الأنانية» وبكون صوتها الهادر يفوق كثيراً وزنها الفعلي على الأرض.
من وجهة نظر اقتصادية ـ اجتماعية، هل تعلّم النظام العربي من التجربة القاسية التي تعرّض لها؟ هل فهم أن الفقر والتفاوت الهائل في الدخل والثروة واستئثار القلّة بالثروة هي أمور تقوّض السلطة وتحفر قبرها، مهما بلغت قسوتها واستفحل جبروتها؟
الخوف هو أن يؤدي الفشل النسبي للربيع العربي إلى تعويم السياسات والممارسات الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت الفقر والتخلّف الاقتصادي والتراجع المعيب في كل مؤشرات التنمية البشرية.
المشكلة التي لا تساعد الحاكم والمحكوم في العالم العربي هي تقييد حرية الفكر وانعدام مساحة النقد. النقد هنا يساوي الخيانة. فلو أطلقت الحرية لنقد السياسات الاقتصادية، على الأقل، لساعد ذلك، ليس في تقدّم المجتمع فحسب، بل أيضاً في تسهيل مهمة الحاكم بممارسة السلطة بأقل قدر من المشاكل.
البلدان المتقدمة لا تضع حدوداً للنقد. إنها تسمح بوضع كل الأمور على الطاولة ونقاشها في العلن. ربما هذا يجيب جزئياً على السؤال الذي شغل العقل العربي طويلاً وصاغه الأمير شكيب أرسلان في صيغة سؤال بسيط: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟
كريستين لاغارد، مديرة عامة لصندوق النقد الدولي، والمفترض أنها بحكم موقعها حارسة لليبرالية والنظام الرأسمالي، فاجأت الحضور والرأي العام في ندوة دولية حول «الرأسمالية الاحتوائية» عقدت في لندن قبل أيام. فقد شنّت هجوماً لا سابق له على النظام الرأسمالي بصيغته الحاضرة، وخصّت النظام المالي العالمي، الذي يحظى بدعم مؤسستها، بلفتة خاصة. أكدت أن نمواً أكثر احتواءً (للفئات المهمّشة) وتحقيق تكافؤ الفرص هما الكفيلان باستعادة الثقة المفقودة بالنظام الرأسمالي.
كان الحضور رفيع المستوى، يضم قادة رأي ومؤسسات، بينهم الأمير تشارلز والرئيس بيل كلينتون وحاكم المصرف المركزي البريطاني وعمدة مدينة لندن، إضافة إلى حشد من رجال الأعمال وقيّمين على مؤسسات تملك، حسب تقديرات بي بي سي، 30 تريليون دولار كأصول خاضعة للإدارة، أي ثلث الحجم العالمي لهذا النوع من الأصول. ومع ذلك خاطبت لاغارد الحاضرين بقوة، ولفتت إلى مخاطر التفاوت بين المداخيل والثروات في ظل الرأسمالية الراهنة. قالت لهم «إن أغنى 85 شخصاً في العالم، الذين تكفيهم حافلة واحدة من حافلات لندن ذات الطابقين، يسيطرون على مقدار من الثروة يساوي ما يملكه النصف الأفقر من سكان العالم ـ أي 3,5 مليار نسمة». طالبت رجال السياسة ومسؤولي البنوك المركزية وقادة مجتمع الأعمال بوضع قضية العدالة الاجتماعية على رأس جدول أعمالهم.
ولم تقتصر قوة النقد على لاغارد وحدها، فكلمتها كانت في الواقع رجع صدى للأفكار التي طرحت في المؤتمر أو حضرت على هامشه. السيدة لين فورستر دي روتشيلد، التي يعرّف اسمها (بعد الزواج) على أهميتها وتأثيرها، ركزت في كلمتها على أن الرؤية قصيرة الأمد التي تسيطر على رأسمالية اليوم تخالف، على حد رأيها، جوهر الرأسمالية. ولم تغفل التفاوت الاجتماعي في العالم، فأوردت أن 1,2 مليار نسمة من سكان العالم، وهم الأكثر فقراً، تبلغ حصتهم 1% من الاستهلاك العالمي، بينما المليار إنسان الأكثر غنى يمثلون 72% من الاستهلاك.
على قوة النقد، في جو من الحرية، يتوقف اتجاه المجتمعات إلى الأمام أو نحو التخلف والرجعية. فيما الدول المتقدمة تنتقد نفسها على الدوام لكي تضمن تقدمها وتطورها، في العالم العربي هناك من يرغب بالعودة إلى الماضي، عند كل خطوة متعثرة إلى الأمام.
هل يعاني العالم العربي من نقص في الرؤية أم نقص في الشجاعة؟