إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مصر التي نحن في انتظارها - كريم مروه (المدن)

 مصر التي نحن في انتظارها
يغمرني اليوم فرح عظيم بعد الذي شهدناه في مصر. وأعترف على الفور بأن عظمة هذا الفرح، على أهمية مصدرها، إنما هي في الواقع أمل مرتجى أكثر مما هي حقيقة مطلقة. فإن ما قدمته لنا الانتخابات الرئاسية في مصر ما يزال في بداياته. إنه وعد بالغد الذي ننتظره لمصر. وأملنا كبير بأن يأتي هذا الغد ساطعاً ويلبّي طموحات الشعب المصري وحقوقه في الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية. وهذا الوعد هو الذي يعيش وينمو في وجدان أمثالي ممن يحبون مصر ويحنون إلى دورها القديم المستعاد بالديمقراطية بكل معانيها، المعاني التي هي النقيض القاطع لكل أشكال الاستبداد السابقة، المدنية منها والعسكرية وتلك التي تتغطى بالدين وتستخدمه لمصالحها ضد قيمه. وهي أنظمة مارست استبدادها بأبشع أشكاله وأغرقت مصر وأغرقتنا معها في المعاناة على امتداد عقود تجاوزت نصف قرن.
للفرح الذي يغمرني في مصر اليوم عنوانان. العنوان الأول يتمثل في أن الانتخابات الرئاسية التي انتظرنا مثيلها في مصر طويلاً قد مرّت بسلام وفق المعايير الديمقراطية المعاصرة. أما العنوان الثاني فهو الوعد بعودة مصر للعب دورها المطلوب المنتظر في عالمنا العربي المتهاوي تحت ظلم الاستبداد الآثم وظلامية القوي الماضوية الآثمة. لكن للفرح ذاته جانباً يدعو إلى بعض الحزن الذي لولا الوعد الذي ننتظره لكان عكر علينا فرحنا العظيم. مصدر هذا الحزن أمران قدمهما لنا المشهد الانتخابي. الأمر الأول هو استنكاف أكثر من مصف الناخبين عن القيام بواجبهم في قول كلمتهم في مستقبل مصر من خلال الصوت الذي يعطونه لأحد المرشحين. الأمر الثاني هو قلة الأصوات التي نالها المرشح الديمقراطي حامدين صباحي. ولهذين الأمرين في قراءتي لهما من بعيد سب رئيس يتمثل في الخلل القائم في دور الأحزاب بأسمائها وتواريخها وأهدافها وبرامجها ومرجعياتها، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. فهذه الأحزاب، التي أحترم قدرتها على الاستمرار حيّة برغم العواصف العاتية التي واجهتها مصر في العقود السابقة، لم تلعب الدور الذي يعود لها في تعميق الوعي لدى المصريين، سواء في مرحلة الثورة وفي تجربتها الغنية والصعبة أم في مجرى الانتخابات ذاتها. وهذا الوعي الضروري المطلوب العمل من أجل نشره وترسيخه في صفوف الشعب المصري هو الذي يعطي للمصريين دورهم الطبيعي في اختيار من يعبّر عن مستقبلهم في العملية الانتخابية الرئاسية منها والنيابية. وهو اختيار، في ظل الديمقراطية المصرية المستحدثة باسم الثورة، يحمل معه شرطاً مسبقاً على المرشح الذي فاز بمنصب رئاسة مصر هو أن يكون، أي هذا الرئيس، أميناً لأهداف الثورة ولأماني الشعب في الحرية والكرامة والعيش الكريم التي قامت الثورة من أجلها ووعدت بتحقيقها. ولهذا الشرط تبعاته. فإذا تخلى الرئيس عن المهمة التي أعطي الثقة من قبل المصريين للقيام بها، فإنهم سيكونون على استعداد باسم الثورة وأهدافها وباسم شهدائها أن يحاسبوه بالطرق الديمقراطية التي حاسبوا بها من كانوا بحاجة ضرورية للحساب.
فرحي بالانجاز التاريخي الذي حققته مصر، برغم ما أشرت إليه من جانب محزن فيه، يعظم حبي لمصر الذي تكوّن وترسّخ في وجداني منذ مطالع شبابي. وهو، في الآن ذاته، يعوض عندي الحزن الذي يغمرني من جراء ما يصاب به وطني اللبناني من معاناة، وما تصاب به بلدان عربية شقيقة من عذابات لا حدود لها أكثرها إيلاماً وقسوة على الروح ما تشهده سوريا الشعب والتاريخ والدور على أيدي المستبدين والظلاميين.
وأشهد أنني تابعت باهتمام يوميّ وبشغف كبير وبأمل لا حدود له الانتخابات وآراء الساسة وآراء المثقفين وآراء المرشحين وآراء الشباب وأراء الناس العاديين فيها. وقرأت بعمق ما يجول في أذهان المصريين من طموح ورجاء في أن يتحقق لهم ما كانوا محرومين منه خلال ما يقرب من نصف قرن. وقادتني قراءتي إلى ما يشبه القطع بأن مصر اليوم باتت تختلف عن مصر التي جرى تشويه تاريخها ودورها بكل وسائل التشويه المادية والمعنوية. وقادتني قراءتي إلى الجزم بأن شعب مصر الذي انتفض ضد الطغيان والفساد، وطلق عقوداً طويلة من الاستسلام لمصيره البائس، هو اليوم محصن ضد أية صيغة من صيغ التعطيل لتقدم مصر الذي ساد عقوداً طويلة. من هنا مصدر الأمل عندي بمستقبل مصر الذي أعطاني هذه الجرعة الكبيرة من فرح كدت وكاد الكثيرون مثلي أن ينسوا شكله وطعمه ورائحته والغنى الذي يدخله في الروح. واستناداً إلى هذه القراءة لما جرى، ولما ننتظر أن نراه في الفترة القادمة بعد الانتخابات الرئاسية التي ستليها الانتخابات النيابية، أسمح لنفسي، أنا المواطن اللبناني باسم حبي لمصر، أن أقول بعض الكلمات التي تخرج من أعماق وجداني مفعمة بالحب وبالفرح وبالأمل وبالرجاء.
أحب أن أتوجه إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأنا أهنئه بانتخابه رئيساً لمصر باسم الديمقراطية، لأقول له بأنني تابعت باهتمام أقواله خلال عام بكامله. وقرأت في كلماته البسيطة الخالية من الادعاء صراحته وتواضعه وتفاؤله وديمقراطيته وتأكيده على الحريات وحرصه على الدور الأساسي للأحزاب في توعية الشعب وتعميق إحساسه بالمسؤولية، وواقعيته التي يعد المصريين باعتمادها في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية ودعوته جميع المصريين للتكاتف والعمل معاً من أجل تحقيقها. وهي جميعها مواقف أعلنها في أحاديثه في مناسبات عديدة وأكدها في خطابه إلى الأمة بعد فوزه في الانتخابات.
وأحب أن أقول لصديقي حامدين صباحي بأنني تابعت باهتمام حملته الانتخابية والبرنامج الذي قدمه للشعب فيها، وتوقفت باهتمام عند المنطق الذي ساد في أحاديثه، المنطق الذي يشير إلى الدروس التي استخلصها من التاريخ الذي نشأ فيه وانتمى إليه منذ شبابه الباكر. وأحب أن أتمنى عليه ألا تحدث الانتكاسة التي مُنِي بها أي أثر سلبي على نشاطه السياسي الذي مارسه خلال السنوات الثلاث الماضية، وأن يظل على تفاؤله بالمستقبل، وأن يتابع من موقعه وسط الجماهير الشعبية، واستناداً إلى تجربته الأخيرة في الانتخابات، نشاطه ذاته وبقوة أكبر إلى جانب سائر القوى الديمقراطية المصرية من أجل النهوض بمصر وبناء غدها الأجمل والأرقى والأكثر حرية وتقدماً وعدالة اجتماعية.
وأحب أن أتوجه إلى قادة الأحزاب المصرية، القديم منها والجديد، اليساري منها خصوصاً ومن كل الاتجاهات، أتوجه إليهم بكلام يصدر من أعماق العقل والوجدان أن يتحملوا مسؤولياتهم التي هي اليوم أكبر من أية مسؤولية واجهوها في المراحل السابقة من تاريخ مصر الحديث. وانطلاقاً من تأكيدي على هذه المسؤولية التاريخية أتمنى عليهم أن يقوموا بمراجعة نقدية لتاريخهم ولبرامجهم ولوسائط وأدوات عملهم، ويجددوا أحزابهم، ويدخلوا بكل طاقاتهم في عملية واسعة وعميقة في المجتمع المصري، إسهاماً في التوعية وفي النشاط بكل أشكاله لإعادة بناء مصر وغدها على أسس جديدة. والجديد في دور الأحزاب المصرية في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ مصر هو أن الديمقراطية التي هيأت شروطها الثورة المصرية هي القاعدة التي سترتكز عليها وتستند إليها العملية الصعبة لإعادة بناء مصر والنهوض بها مما كانت عليه والسير بها إلى الغد الأعظم المنتظر.
وأحب أن أقول للعقلاء من "جماعة الأخوان المسلمين" في أعلى الهرم وفي شتى المواقع، وبعضهم معروف بالاسم وبالصفة، أن يعملوا بجهد لإخراج حركتهم من تاريخها القديم ومن تاريخها الحديث، وأن يساهموا بجدية، استناداً إلى تجاربهم المريرة القديمة والحديثة، في مراجعة نقدية لمجمل سياساتهم، وأن يدخلوا بقوة مع سائر المصريين في ورشة بناء مصر الجديدة. ذلك أن كل مكابرة من قِبل "الجماعة" في الاتجاه الذي ما زال قادتها يتمسكون به ستعود بالويل عليهم وعلى مصر. أحب أن أقول لهم بأن الوقت قد حان لكي ينطلقوا بعقل جديد في اتجاه المستقبل الذي بدأ يحلّ محل الماضي. ومكانهم في اعتقادي محفوظ لهم إذا هم أرادوا أن يكونوا شركاء في هذه العملية التاريخية التي تجتازها مصر نحو غدها الآتي.
وأحب أن أتوجه في شكل خاص إلى شباب مصر الأبطال، الذين حملوا عبء الثورة على أكتافهم وعلى صدورهم وعلى جثث الشهداء الأبطال منهم، وعذابات من دخلوا المعتقلات بحق في بعض الأحيان أو بغير حق في معظم الأحيان، أحب أن أتوجه إليهم لأقول لهم بثقة من أعماق قلبي بأنهم هم بالتحديد مستقبل مصر، وهم بالتحديد أبطال نهضتها، وهم بالتحديد أملها وأملنا نحن الذين نحب مصر من أشقائها. وأحب أن أقول لهم بأن يدخلوا في ظروف ما بعد الانتخابات الرئاسية والنيابية بنفس الشجاعة التي قادتهم إلى ثورتهم، وأن يكونوا، ومعهم رومانسيتهم التي أحترمها، أكثر ارتباطاً بالواقع الذي تعيش فيه مصر. فبمقدار ما يكونون أكثر واقعية يكونون أكثر قدرة على الاسهام في إحداث تغير جذري في هذا الواقع المصريّ الصعب نحو الغد الأفضل لهم ولوطنهم مصر أم الدنيا.
فيا مصر التي نحن في انتظارها أنت وشعبك وشبابك أملنا الآتي لأمتنا العربية من الخليج إلى المحيط، أملنا بالغد الجميل المفعم بالحرية والتقدم الحضاري الذي يحفظ لإنسان مصر وللانسان العربي بعامة حقه في أن يعيش بكرامة تليق به.

← العودة إلى مختارات